تنظيم الدولة من أين وإلى أين؟ (2-2)

عبد الله العقاد
الاثنين ١٧ ١١ / ٢٠١٤
قد جمعني لقاء بنخبة من المثقفين، فطرحت عليهم سؤالًا وانتظرت منهم جوابًا: "ماذا يعني لك تنظيم الدولة؟".

فقد وقع منهم غير قليل "في شجر البوادي"، فمنهم من أجاب بالنظر إلى التركيب والاشتقاق اللغوي، وآخرون نظروا في ظروف النشأة ومبررات التكوين، ومنهم من نظر إلى حيث المعين الفكري فأوصلها إلى الخوارج الذين ظهروا منذ فجر التاريخ الإسلامي (.. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية..)، وأجاب أكثرهم واصفًا إياها والحالة وما تداعت إليه وما أنتجته من تحولات وأحداث في الجبهات التي ظهرت فيها بكل تشكيلاتها، ذاكرين: أنها صنيعة مخابراتية، فهي ليست أكثر من كُرةٍ ملتهبة يُلقي بها كلُّ خصمٍ في مَرمى خصمه، وأن لكلٍّ "داعشه".

وأنا أنقل لكم تلك الإجابات المتنوعة التي نظرت من زوايا مختلفة إلى ذلك التركيب المنحوت من أربع كلمات من الزوايا المختلفة، فإن لم أجدني مضطرًّا أن أعقب عليها؛ فإني أجد من الضروري بيان حقيقة عمل الأجهزة الأمنية العالمية، وأخص الإنجليزية منها عبر مكتبها الأمني الخارجي (MI6) _وهو ما تطرقت إليه في الجزء الأول من المقال_ من حيث قدرته على: التخصيب، والتشكيل، والتشغيل لمثل تلك الحالات، وقدرته على توجيه دافعية الضحية المستهدفة التي تنطلق غالبًا من رؤى راسخة، وظروف مبررة؛ فتجرهم _يا للأسف_ إلى مشاريع وهمية، وجبهات خادعة، ولكنها إذا أكملت دورها وأدت الذي عليها وقضت وترها علمت حقيقة ما دُفعت إليه.

ونلفت إلى أن الأجهزة الأمنية للدول الكبرى عبر شبكاتها الممتدة في أصقاع المعمورة قد استطاعت إيجاد وكلاء معتمدين لديها، من طريق أُسرٍ حاكمة جيء بها من غياهب النكران، فتصدرت الأضواء، وجعلت في بؤرة الأحداث، لتكون مالكة ومملكة.

وقد رأينا من تلك الوكالات التي أعطيت ذلك الامتياز عملها في كل ساحات الصراع المفتوحة بشرقنا الإسلامي، فكانت حاضرة في لبنان وفلسطين والصومال ومصر وأفغانستان وباكستان ... وغير تلك التي ذكرت.

وكانت غالبًا ما تأتي تحت عناوين جاذبة على المستوى الإنساني وأخرى على المستوى الدبلوماسي، ومن أخص تلك الساحات التي عبثت بها كانت الساحة العراقية بكل ما أوجدته من تناقضات وأحدثته من التباسات، وذلك بفعل ما أنتجته فيها من تشكيلات عديدة وغايات مختلفة؛ ليضرب بعضها بعضًا.

وكان لها ما أرادت؛ فقد أُحرفت ثورة الرافدين عن وجهتها، من مواجهة الاحتلال (الإنجلوسكسوني) المشروع، الذي بدأ وطنيًّا في كل محافظات العراق _ولا سيما الأنبار_ ليتحول إلى صراع مذهبي طائفي واقتتال أهلي داخلي عبثي همجي، مستمرًّا إلى الآن يتجه إلى غياهب المجهول، لم يأت على شيء إلا وقد أهلكه وأفسده.

ثم في كل مرحلة من مراحل تلك الحرب النكدة يركب تشكيل هو أشدُّ تعقيدًا، وأكثر تطرفًا، وأشر فتكًا من الذي قبله، أينما توجهه لا يأتِ بخير.

أما آن لنا أن نعيد النظر _ولو كرةً_ إلى ماضينا القريب، وقد دُفع بشبابنا بل أفضلهم وأخلصهم خلال العقد الثامن من القرن الماضي إلى الجبهة المفتوحة للقتال المشروع في أفغانستان، وكان قد استمر تدفق المقاتلين الآتين من كل صعيد لا يلوون على شيء إلا نصرة المستضعفين الآمنين، حتى إذا ما أنهوا مهمتهم الجهادية بصدهم الغزو السوفيتي الغاصب، وأوشكت أن تضع الحرب أوزارها وبدأت ملامح النصر؛ لغمت الساحة الأفغانية، وقد كسر باب الفتنة بقتل القائد د. عبد الله عزام (رحمه الله) الناظم الموحد بين الثوار المقاتلين، والمنظر الفقيه لجهاد تلك الساحة، فإذا ما انسحب الغزاة رأينا كيف انقلب رفقاء السلاح إلى فرقاء أعداء، يقاتل بعضهم بعضًا في حرب استمرت بضع سنين، حتى إذا ما أُوهنوا جميعًا باغتهم "الطالبان" (طلاب المدارس الشرعية)، وقد أتوا من ملاجئ التهجير في باكستان، وكانوا من قبل قد نأوا بأنفسهم عن القتال في أي من الجبهات.

وإذا المنتصرون الأحرار (الأفغان العرب) تُضيَّق عليهم الأرض بما رحبت، وقد تنكر لهم من ظنوه صديقًا، وعاداهم من عدّوُه حليفًا، لا بأس، هي تلك إذن اللعبة القذرة، ليس فيها للأخلاق مكان ولا متسع، توجهها مصالح الطامعين، وتشرف عليها قلوب متحجرة تضرب بالحجر حجرًا، وبفرع من الشجرة تقضي على أصلها.
هناك، وقد رحل الغزاة، وتفكك (السوفييت)، واقتتل الثوار، وتحصن المقاتلون الأحرار في كهوف الجبال؛ لتجيء أمريكا إلى حيث كانت من قبل بريطانيا، ومن جديد في أفغانستان لتُعاد الكرَّة لمن بدأها، أما نحن فليس لنا إلا أن يرتد إلينا طرفنا خاسئًا وهو حسير.

ومازالت دبلوماسية "البترودولار" تتقصد إغراقنا وكل الأحرار في بحورٍ من الدماء، وتزج بنا في معارك قد يكون لها وجوه مشروعة، ولكنها مفضية إلى هلكة ومهلكة، ظاهرها الرحمة وباطنها من قبله العذاب.

ولكن، وفي كل مرة يتطور المشهد إلى هذا النحو من (التراجيديا) السريالية، ونحن نمخر حائرين في وسط بحر هائج من الأحداث المتلاحقة لا ندري أين ستردينا تلك السَّيرورة ونحن ندور في حلقتها الفارغة.
ولهذا إنه لم يكن غريبًا أن نسمع وزير الحرب الصهيوني يعلون وهو ينعق بالقول: "ليس من الممتع أن تقتل عدوَّك بيديك، ولكن الممتع أن تقتل عدوَّك بيد عدوِّك"، هذا ملخص القول بل فصل الخطاب.

ملفات أخرى متعلفة