تنظيم الدولة من أين وإلى أين؟ (1-2)

عبد الله العقاد
الأحد ١٦ ١١ / ٢٠١٤
كثيرًا من غير مقدمات تطفو في ساحتنا العربية حالات وأحداث سياسية، وظواهر مجتمعية، وتشكيلات قتالية، وجماعات مذهبية؛ فتحدث تفاعلات وارتدادات تلقي بتداعياتها على جنبات وأركان المحيط الإقليمي.
ولكن سرعان ما يخبو أوار نارها، ويذهب بريقها، وينطفئ لهيبها؛ لتنزوي تاركة وراءها ندوبًا وآثارًا لا تدملها مديد الأيام، وتترك أيضًا علامات استفهام؛ لاستيضاح الحقيقة وتبيان الحق الذي قد يلتبس به الباطل، وتجنب الباطل الذي قد يتدثر بلباس الحق.
ولنا أن نتساءل: من أين جاءت تلك المكونات والتشكيلات والمجاميع، وما أريد لنا منها، ولماذا الدَّفع بها دون غيرها، وكيف ستؤدي دورها، وتفي بغرضها؟
ولكن، قبل أن نمدَّ أيدينا غالبًا لنطرق أبواب الإجابة عما شُرع لنا السؤال عنه، إذا نحن نجد أنفسنا من جديد في دوَّامة هي أشرُّ وأنكى من سابقتها؛ فتزج بنا في عين العاصفة، وما أن نفلت أو تُفلتنا منهكين حتى تشغلنا التي تليها، وهكذا دواليك.
شغلت أسماعنا في مطلع هذا القرن جرثومة الجمرة الخبيثة وهي تداهم مكاتب المسئولين الأوربيين والأمريكيين، وعيوننا إليها ترمقها من بعيد، تدعو لها بالمزيد، وتسبح بحمد الله قلوبنا والشكر الجزيل، كيف لا وهي التي عقرت أمريكا في عُقر دارها؟!
وأمريكا كانت عندنا تعقرنا في دارنا، وتحرقنا بالنار والحديد، فتذبح بلا رحمة، وتقتل بلا تمييز، وتدمر حضارة العراق ومجده التليد، وتستبيح المُحرَّمات، وتنتهك الحرمات، وتقتل علماءنا، وتنهب ثرواتنا، وتفعل المزيد، وما سجن "أبو غريب" و(غوانتانامو) و(بغرام) عنا ببعيد، وما إن انتهت واستوى لها ما تريد؛ أزاحت من مسرح الأحداث صداع الرسائل الملغمة بجرثومة الجمرة الخبيثة، ويكأن شيئًا لم يكن.
واليوم تشاغلنا أمريكا وحليفتها بريطانيا ومن لف لفهما بـ"داعش"، وقد طفت على مسرح الأحداث، لتتصدر نشرات الأنباء العالمية، وجُعلت فزاعة تثير خوف المرجفين، ومدعاة لتحالف دولي أربعيني (أربعين دولة)، ويرصد ما يزيد على خمسمائة مليار دولار لقتالها، وفق خطة قد تستمر ثلاث سنوات.
كل ذلك وغيره كثير، مع أن عدد مقاتليها لم يزد على ثلاثين ألفًا، تجدهم يقاتلون في جبهات عديدة، موزعين على ساحات كثيرة، وعلى امتداد مساحة جغرافية تفوق مساحة فلسطين التاريخية خمسة أضعاف أو يزيد، فلو وضع في كل كيلو متر واحد منهم ما كفت أعدادهم، والمنطقة (الشرق الأوسط) صفيح ساخن بل الأسخن في العالم؛ فتبتلع في أيام جُلَّ ما استنقذته في سنوات الثورة الشعبية في سورية من النظام.
ثم على حين غرَّة من أهلها دهمت "داعش" مناطق الحراك السني في العراق، تلك التي ثارت منذ عام أو يزيد على نظام المالكي وسياساته الطائفية التعسفية الفاسدة التي فعلت بالعراق أكثر مما أوكلت له أمريكا وحليفتها فعله، من القتل والتمييز المذهبي والنهب والتهميش لمكونات مهمة وأصيلة في بلاد الرافدين.
ولكن لما وصلت طلائعها إلى مشارف أربيل إذا الطائرات الأمريكية المُسيَّرة (دون طيار) توقف تمدد تلك الأرتال القادمة من (المجهول)، أو إن شئت فقل من مفاعل التخصيب الاستخباري الأمني.
نعم، لقد برعت أجهزة مخابرات عالمية _وليس أشقى في ذلك من المخابرات الإنجليزية_ في تفتيت الأمم المستهدفة بالعبث في تركيباتها الديمغرافية؛ فيصبح الإخوان أعداء، وذلك بضرب المكون الوطني العام، وجعل التناقض الرئيس بين الفسيفساء الذي يتشكل منه النسيج المجتمعي للدول المستهدفة، وفي الوقت نفسه تجعل وجودها القاسم المشترك بينهم، وذلك بربط مصالح الجميع بها، وأكثر من ذلك إنها تمتلك المهارة والقدرة على التخصيب لمكونات جديدة في مختبراتها الأمنية وبعملها الاستخباري.
لذا إننا نجد في المخابرات البريطانية من طريق مكتب الأمن الخارجي (MI6) القدرة والتميز على تشكيل أي من الأجسام التي تريد، ثم تدفع بها إلى حيثما تريد، وذلك بمنظومة عمليات من ثلاث شُعبٍ: (التخصيب، والتشكيل، والتشغيل).
وإن كثيرًا من تلك الحالات والتشكيلات قد يرتقي تفاعلها وتأثيرها في المحيط المجتمعي المستهدف؛ لإحداث ظواهر اجتماعية معقدة بل بالغة التعقيد، وأيضًا يمكنها أن تغرس بها قيمًا ومعايير مجتمعية تخدم أهدافها وتحفظ بها مصالحها.
وفي الوقت نفسه تجدها تُخصِّب من الأمصال المُعطِّلة "تشكيلات مضادة" لما توجده من حالات وتشكيلات بحيث تجعلها كوابح تتحكم بها على التشكيلات وما تحدثه من تحوّلات، وإنها غالبًا ما تُوجد من جنس الشيء ضده، ومن نوعه نقيضه، فتقابل _مثلًا_ الثورية "الجهادية" بالأثرية (العلمية)، وهذا ما يُمكن أن يُصطلح عليه بـ"سياسة التفجير بالعدوى".
وعند القراءة عن نشأة بعض الفرق الإسلامية الباطنية إنك ترى كيف واجهت إنجلترا في شبه القارة الهندية الروح الثورية الجهادية المناهضة لاستعمارها بإنشاء فرق مذهبية تُحرِّم الجهاد كالقاديانية والبهائية والأحمدية، وأخرى لا توجب الجهاد إلا بوجود إمام، وغير ذلك الكثير من آليات عمل منظومات تلك التقنية الأمنية المعقدة التي تتقنها أيما إتقان.
وهذا ما عُرفت به إنجلترا في تاريخها الاستعماري الأسود بسياسة "فرِّق تَسُد"، تلك السياسة القائمة على تفتيت مكوِّنات الأمة الواحدة؛ لتتسلط عليها، وهكذا حتى بلغ سلطانها مشارق الأرض ومغاربها، فأضحت إمبراطورية لا تغيب الشمس عن مستعمراتها.
فهي بتلك السياسة الأمنية الموغلة في المكر والدهاء إذا حلت بلدًا أفسدته وجعلت أهله شيعًا متناحرة، وفرقًا شتى، وذلك بتحريك النعرات الطائفية، وإثارة العصبية المذهبية، وإحياء النزعة الإثنية، وإذكاء نيران التطرف بين الأمة الواحدة، بل الشعب الواحد؛ فتنهب ثرواتهم، وتمتص خيراتهم، وتتركهم عالة يتكففون على موائد اللئام، وينهشهم الجوع والفقر والتخلف، حتى سَرَت بين الناس عندنا مقولة: "ما بيجي من الغرب إللي بسُر القلب".
يتبع...

ملفات أخرى متعلفة