سبط ابن الجوزي

د. عبد الحميد الفراني
الأحد ١٦ ١١ / ٢٠١٤
كان للعلماء دور كبير في تزعم ردود الأفعال الشعبية ضد أي تخاذل أو تفريط يلمسونه من جانب زعمائهم السياسيين، فقد اعتبر المسلمون في بلاد الشام أن معاهدة السلام التي عقدها السلطان الأيوبي الكامل مع الإمبراطور فريدريك الثاني في 27 جمادي الأول عام 626هـ/23نيسان(إبريل) 1229م والتي تقضي بتسليم القدس للصليبيين كارثة حقيقية، وكان رد الفعل الشعبي عنيفاً ضد السلطان الذي برر موقفه بقوله" إنا لم نسمح للفرنج إلا بكنائس وأدر(أديرة) خربة والحرم وما فيه من الصخرة المقدسة وسائر المزارات بأيدي المسلمين على حاله وشعار الإسلام قائم على ما كان عليه، ووالي المسلمين متحكم على رساتيقه وأعماله"، وعلى الرغم من ذلك فقد "استعظم المسلمون ذلك وأكبروه ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه"، وعندما قرر الكامل تطبيق الاتفاقية على أرض الواقع "نودي بالقدس بخروج المسلمين وتسليم القدس إلى الفرنج، فوقع في أهل القدس الضجيج والبكاء والصراخ والعويل، وحضر الأئمة والمؤذنون من القدس إلى مخيم الكامل، وأذنوا على بابه في غير وقت الأذان، فعز عليه ذلك".

وكان الشيخ الفقيه الواعظ المؤرخ يوسف بن عبد الله المشهور بسبط ابن الجوزي (توفي 654 هـ/1256 م) ابن بنت العالم ابن الجوزي على رأس أولئك العلماء الذين وقفوا في وجه الكامل وتخاذله وتسليمه للقدس، وقد عقد مجلساً للوعظ ذكر فيه فضائل بيت المقدس، وما حل بالمسلمين من تسليمه إلى الصليبيين وقد وصف هو نفسه ذلك المجلس وردة الفعل الشعبية الإسلامية على تسليم الكامل القدس للصليبيين بقوله: بأنه عندما وصلت أخبار تسليم الكامل للقدس " قامت القيامة في جميع بلاد الإسلام، واشتدت العظائم، بحيث أقيمت المآتم، وأشار الملك الناصر داود إلى أن أجلس بجامع دمشق، وأذكر ما جرى على البيت المقدس، فما أمكنني مخالفته، ورأيت من جملة الديانة الحمية للإسلام موافقته، فجلست بجامع دمشق، وحضر الناصر داود، على باب مشهد علي، وكان يوماً مشهوراً، لم يتخلف من أهل دمشق أحد"، وأورد كلاماً كثيراً عن ذلك الحادثة العظيمة والمصاب الجلل الذي أصاب الأمة.

وقد وصف المؤرخ ابن واصل الذي حضر مجلس سبط ابن الجوزي بأنه " كان مجلساً عظيماً.. ارتفع ضجيج الناس وبكاؤهم، فلم ير إلا باكيا أو باكية".

واستشهد سبط ابن الجوزي بأبيـات شعرية للتنديد بفعل السلطان الكامل، ومن هذه الأبيات:
لتبك على القدس البلاد بأسرها وتعلن بالأحزان والترحات.
على قبة المعراج والصخرة التي تفاخرت ما في الأرض من صخرات.
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات.

وقد روى سبط ابن الجوزي أن الشيخ أبو قدامة الشامي بعثت إليه امرأة بخصل شعرها وقالت له: اجعله قيدا لفرسك في سبيل الله، قال: فعملت من الشعور التي اجتمعت عندي شكلا لخيل المجاهدين، وقد استغل السبط تلك الشعور لشحذ همم المجاهدين للغزو والجهاد ضد الصليبيين الذين كانوا يخرجون من عكا للإغارة على نابلس، فذكر بأنه أمر بإحضار الشعور وكانت ثلاثمائة شكال، فلما رآها الناس صاحوا صيحة عظيمة وقطعوا مثلها، وخرجت جموع أهل دمشق وضياعها والتقوا بالسلطان الأيوبي المعظم عيسى في نابلس سنة 607هـ/1211م واجتمع بهم في مسجد المدينة حيث عرض السبط على السلطان الشعور فقام بوضعها "على صدره وجعل يبكي".

وبعد استكمال الاستعدادات تحركت جموع المقاومة الشعبية بزعامة الشيخ السبط نحو عكا وهاجمت المعاقل الصليبية حول المدينة وأخربوا وأسروا ثم عادوا إلى نابلس.

فما لنا لا نرى باكيا ولا باكية لحال الأقصى، وما لنا لا نرى حراكا شعبيا كذلك الحراك الذي أثاره السبط رحمه الله.

ملفات أخرى متعلفة