قراءة في المشهد الوطني الفلسطيني

عبد الله العقاد
الأحد ٠٩ ١١ / ٢٠١٤
لربما ما آثار الدهشة لدى الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن الفلسطيني، قدرة المقاومة في غزة، وصمود أهلها الأشداء في مواجهة آلة البطش الصهيوني على مدار واحد وخمسين يوماً، لم تفصل بينها غير ساعات قليلة من التهدئة كانت تأتي بطلب مباشر من جهة العدو عبر وسطاء دوليين؛ لأغراض ميدانية في شكل وقالب إنساني، وأيام أُخر في إطار جولات التفاوض غير المباشر..!

وقد تمثل الإنجاز الأهم في الجولة الأخيرة تعزيز خيار الكفاح المسلح كخيار استراتيجي أوقفت به المقاومة الفلسطينية الدبابة الصهيونية عن رسم الحدود السياسية وتحديد خارطة المصالح للكيان القائم بحكم القوة والواقع، وكان قد ترسخ من قبل في ذهنية قادة هذا الكيان أن معالمه التي تحدد حدوده السياسية لم يكن غير أقدام رجال العصابات الصهيونية؛ ولهذا قال أول رئيس وزراء لذلك الكيان الصهيوني ديفيد بن غيريون: "حدود (إسرائيل) عند آخر أقدام جندي إسرائيلي يقف على الأرض" فأعطت تلك الأقدام الكيان أكثر مما منحت له الوعود الظالمة، والقرارات الدولية المنحازة والتي أهمها قرار التقسيم (181) عام 1947م..!

نعم، أوقفت المقاومة الفلسطينية آلة الدمار والبطش عن رسم خارطة المصالح، والتي جاءت متوافقة هذه المرة كلية وبكل صراحة ووضوح مع مصالح أنظمة عربية وجدت نفسها في خندق الكيان الذي طالما تغنت بمعاداته عبر تاريخ ممتد من العداء، وخوضها معارك شوهت كثيراً من الحقائق، بل غيبت معالم ومنارات، وخلقت وقائع وواقعا من الذلة والدونية العربية..!

لذلك كان الصمت – في أحيانٍ كثيرة - سيد الموقف لكثير من تلك النظم في إشارة واضحة منها للاستمرار بل والمزيد من البطش؛ لتحقيق المطلوب، ولم يكن مستغرباً انفلات إعلام تلك الأنظمة بالتحريض الرخيص على المقاومة وأهلها، وتبخيس جهدها، والاصطفاف بجانب الرواية الصهيونية اليمينية المتطرفة منها، ولكنَّ قدرة المقاومة على إدارة الميدان بشكل أذهل الجميع أخرس تلك الأبواق الشريكة في العدوان بحكم ربط المصير المشترك مع الكيان..

وكان كذلك الاحتضان الشعبي للمقاومة قاعدتها الصلبة، وظهيرها القوي؛ لتنجز مهامها وما تفوضت به من عموم جماهير الشعب الفلسطيني الذي سئم ما أفضى إليه مسار الوهم (التسوية) الطويل من مضاعفة النهب للأراضي والنهش المستمر منها لصالح الاستيطان وتهويد القدس والعبث بديمغرافيتها.. (الاستباحة للأرض والإنسان) حتى وصل الأمر إلى تنكر العدو للشريك الفلسطيني بكل ما التزم بل والتشكيك بوجود شريك أصلاً..!

ولهذا تعززت ثقة شعبنا بالبندقية المسيسة - من خلال استطلاعات الرأي الأخيرة- بحيث تكون عمود الخيمة لأيٍ من مسارات العمل الوطني الجامعة؛ لتراكم مزيداً من الإنجازات الوطنية المشهودة في طريق الواجب الوطني المتمثل بالتحرير الكامل، وتحقيق كامل الحقوق الوطنية.

ففي ضوء ما أنجزه الميدان في جولته الأخيرة يجدر إعادة الصياغة للمكونات الوطنية في الساحات الفلسطينية؛ بحيث تتكتل جبهة وطنية فلسطينية لجميع القوى والفصائل وغيرها من المكونات الوطنية؛ لتعمل في نسق وطني ينطلق من الإيمان بالكفاح المسلح كخيار استراتيجي للتحرير يستند إليه أي من الخيارات الأخرى.
وهذا ما سيضع حداً لحالة التيه السياسي التي أضاعت أكثر مما حفظت وبددت أكثر ما جمعت.. ليتجاوز ذلك التيار الوطني كل الالتزامات التي جعلتنا نرتهن للاحتلال في تسيير حياتنا اليومية مقابل التنكر لكثير من حقوقنا المشروعة..!

لذا إن أردنا أن نكون بحق أوفياء لدماء الشهداء الذين قضوا خلال صراعنا الطويل مع هذا العدو المتحصن بجهل الجاهلين وانتحال المبطلين لثوب الوطن ..!

يجب تجاوز تلك الحالة السياسية وما بني عليها من أحكام, فقد أصبح ذلك واجباً وضرورة وطنية يتداعى من أجلها الكل الوطني؛ لقراءة المشهد من جديد في إطار المتغيرات والمستجدات، حيث تجاوزتها الأحداث والوقائع وقريباً ستعلوها أقدام طلائع التحرير، وقد تراءت لها قوة إرادة الحياة في مواجهة آلة القتل والتنكيل..

وأخيراً.. أجد من الضروري تعميق تلك القراءة بالدراسة والبحث، وبلورة أفكار وطنية جادة وذلك من خلال حوارات وطنية ومناقشات مجتمعية؛ ليتحدد بذلك مشروع وطني جامع يرسي معالم واضحة نحو التحرير الكامل للأرض والإنسان والقرار..

ملفات أخرى متعلفة