إقرأ المزيد <


الأصباغ لا تليق بك!

إباء أبو طه
سبت ٠٨ ١١ / ٢٠١٤
التخلي عن مبدأ أو فكرة اعتنقتها يوماً لا يمكن ادراجها في ملفات " الحياة الشخصية" أو " رأي شخصي" ، التخلي يعني تجفيف ثمار الفكرة وكيّ ملامحها، وتشويه لحظات الخشوع أمامها، لا سيما عندما تلقى الحضن الكبير، والمأوى الدافئ، والروح المثابرة، والعزم الرشيد ممن حولها، في الوقت الذي كانت تقتات فيه على قلبك، تعود مقتاتةً على نفسها لتعتاش، لتغدو عبئاً يرهق مسيرتها وفعاليتها، بعد أن كنت نموذجاً لها.

وسط ازدحام الافكار والمعتقدات، يتحول الشباب من عالمٍ لآخر، وسط حالة من الانشداد والانبهار للجديد والتراخي والتخلي عن القديم، دون التنبه لفكرة الضوابط التي تحكم عملية الانتقال والمواصفات التي تليق وتستحق من المرء هذا التحول فليست كل الأصباغ تليق بك، فسيل التبعية لا تعني أن الفكرة سليمة، وتجلّى الجديد لا يجعله بالضرورة قابلاً للاعتناق والدمج، ولا من أجله نتخلى عما استودعناه يوماً في قرارة أنفسنا، هذا ما يحصل في الغالب عند مرور المرء بمحطات حياتيّة مع كل اهتزازةٍ فيها يُومئ له أن هناك ما يستحق " البعث " لأجله.

اختبار الأفكار لا يكون بالمعرفة فقط، فهي لا تمنحنا سوى التصور وتحسس المواصفات العامة والملامح التي تروّجها، الحدث هو من يصنعها والظروف التي تمرر فيه الفكرة وحدها القادرة على كشفها وتمحيصها وتقليبها على كافة الأوجه، فالحدث بمثابة مختبر للأفكار ترتجّ فيه لتخرج صافيةً نقيّة تستحق النظر والاعتناق فيما بعد، أو تودع في مهملات كي لا تصيبنا بالعدوى؛ كم من أفكار سقطت في خضم الأحداث ومعتركات صراعها حين تحررت من الكتب وأفواه المثقفين إلى الواقع، لينكشف زيفها ومثاليتها، قياساً بأخرى ازدادت انتعاشاً وقوّة على مرمى الأرض.

قد تكون عملية " التجديد" الوسيلة الأسلم للمرء عندما يواجه بغزراة فكرية، ويكون بدمج الشكل القديم للفكرة مع الحديث ليحصل على فكرة مجدَّدة تقدّم بطريقة لا تهاون فيها ولا تبلّىي، فالتجديد هو الوسيلة التي من خلالها نتخلص من نعش الفكرة، ونزيل عنها الكفن، ونحييها من جديد، بدلاً من السير في جنازتها بمظهرها القديم، فاستحضار اشكال عصرية حديثة للفكرة لا يعني بتاتاً ازدراءها او الاستخفاف بها فهي شكلاً من اشكال استحضارها بصورة نتفاعل معها وتتحرك فينا؛ مثالاً على ذلك الاشكال التاريخية للدين التي تعكس ملامح الدين نفسه.

ومعنى التدين الحقيقي الذي يقوم على التجديد متحرراً من الاشكال القديمة ومتحداً في الوقت ذاته مع الحديثة منها ، ليدنو هذا النوع من التدين للجماهير مغلقاً كل الفجوات ومقصراً للمسافات المطردة التي خلفها فهمنا العقيم لدين الاسلام، فما سقناه مثالاً فقد يتجاوز التجديد إلى كافة مناحي حياة الانسان، محدثاً قفزات ثابتة واضحة مبينة يستطيع المرء فيها أن يخطو باتجاه الأفكار بشكل متوازن لا عوج فيه ولا تمايل، كاشفاً ببصيرته مساحات من الأفكار التي يصبح فيما بعد قادراً على غربلتها وتنقيتها ببصيرته واطلاعه.

ملفات أخرى متعلفة