إقرأ المزيد <


امتهنوها مرضاةً لله.. وزادتهم خشيةً عمن سواهم

"مُغسلو الأمواتْ".. "مالكُو أسرارِ" الراحلينَ للدارِ الآخرةْ

غزة - محمد المنيراوي
يومها كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلاً.. البرق والرعد كانا صديقين لتلك الليلة المهيبة.. سكون الليل يخيم على المنطقة.. لا أحد في الطرقات.. وزخات المطر تملأ الدنيا بصوت خريرها.. كان الهاتف النقال يرن مراراً وأنا لا أستطيع أن أخرج يديّ المتصلبتين تحت لحافي لأرد عليه.. لكن إصرار المتصل دفعني أخيراً للرد رغم طعن سني..

كان صوت الصراخ الذي ينبعث من سماعة الهاتف ينذر بخطب جلل.. تحدث المتصل إلي بعد أن التقط أنفاسه: "أبو هيثم.. والدي أعطاك الله عمره وننتظرك في بيتنا لتأتي تغسله وتكفنه.. فالأمر لا يحتمل التأخير.. أرجووووك يا أبا هيثم".. فما كان مني إلا أن أجهز الكفن من بيتي وأذهب إليهم سريعاً بسيارة ابني الذي أقلني في ذلك الجو الماطر..


أخيراً وصلت وأصوات النحيب والبكاء تملأ الدنيا ضجيجاً.. حينما رأوني أفسحوا لي الطريق نحو غرفة في البيت لنبدأ التغسيل.. رائحة الميت كانت كريهة لم تكن كأي رائحة ميت غسلته من قبل.. لون وجهه الشاحب يميل إلى السواد أكثر فأكثر.. لا أدري ماذا أفعل فلزاماً علي تغسيله مهما كانت الظروف..

غسلته على عجالة وأنا أقلب جسده "المتثاقل" كمن لم يرد أن يغتسل.. وكفنته كما يتطلب الشرع.. وجهزته للدفن.. حمله ذووه على الأكتاف إلى المقبرة القريبة نسبياً من بيتهم.. وهم يشيرون عليّ بدفنه أيضاً.. طأطأت رأسي موافقةً حتى وصلنا إلى المقبرة سكنت الأمطار قليلاً.. وصوت حفيف الشجر سيدٌ في المكان..!

قربنا قنديل الإنارة منا قليلاً وكان القبر مجهزاً.. نزلت بداخله لأتناول منهم "جثته المسوَدّة".. جهزت "مخدة" من الرمل تحت موطئ رأسه.. و"سندة" أخرى من الرمل خلف ظهره.. وضعته على جانبه الأيمن ليستقبل القبلة لكن المفاجأة أن جسده التف إلى جانبه الأيسر.. حينها ارتجفت أركاني وانخلع قلبي لأول مرة في حياتي مما يحصل معي..

أعدت الكرّة وأنا أضيف المزيد من الرمل في "سندة" الظهر فقد قلت لنفسي ربما لا تكفي لتسند جسمه.. لكنني حينما وضعته على جانبه الأيمن مجدداً التف إلى جانبه الأيسر.. وبعد محاولات وضعته على جانبه الأيمن بكل ما أوتيت من قوة..

فإذا بالميت يصرخ صرخة مدوية "آآآآآآه" هرب كل من كان يحضر "الدفن" من فزع الصرخة خارج المقبرة، وقد كان بعد صراخ وعويل من ذويه خارج المقبرة أشاروا علينا مجدداً بدفن الجثة.. تقدمنا وأقدامنا تضرب في بعضها البعض نحوه وإذا به أسود الجسد والوجه كأنه محترق.. نزلت مع شيخ كان بجواري فوضعناه على الوضعية التي انقلب عليها وفككنا أربطة الكفن عن جسمه.. وأغلقنا القبر.

بعدها بأيام عاد أبو هيثم ليرى أبناء الفقيد.. جاء كبيرهم يكفكف دموعه وهو يأخذ بيد "مغسلنا" ليحدثه عما يجول في صدره، ليقول:" لقد كان والدي مدمن مخدرات ولم يصل يوماً في حياته.. أرجوك ماذا نفعل؟".. فلم يكن من المغسل إلا أن يربت على كتفه ويدعوه إلى أن يترحم على والده..

عزيزي القارئ.. كانت هذه قصة "غيض من فيض" مما حدث مع الحاج الستيني "أبو هيثم" (كما فضّل تسميته) قبل نحو عشر سنوات في إحدى مدن قطاع غزة.. فقد حدثنا بها استعراضاً لأبشع قصة حدثت معه من "أسرار الموتى" وطبيعة الخاتمة لهم.


الحاج "أبو هيثم" استطاع خلال 30 عاما -كانت فترة تغسيله للموتى- تغسيل ما يقرب من ألفي ميت.. حيث لجأ لهذا العمل مرضاةً لله وخدمة لإخوانه المسلمين.

ورأى خلال تلك المدة "ما لا يصدق" -رفض الكشف عنه- وما لا يُستوعب أثناء تغسيل الموتى.. حينما يكشف الله عز وجل بعضاً من أسرارهم في آخر حياتهم موعظة وعبرةً للناس.. ساعة خروج الروح إلى بارئها.. لتكون إما في جنة وإما في نار.. وإيقاظاً للغافلين..

ويوضح "أبو هيثم" أنه عانى كثيراً في بداية العمل بتغسيل الموتى.. حيث ويلات الكوابيس تلاحقه في منامه.. شخص يمسك به ليسحبه عنده في القبر.. وآخر يقبض على عنقه يوشك أن يقتلعه من مكانه.. وهكذا إلى أن أصبح لا يأبه بما يمر معه إلا أخذ الدروس والعبر من حياة الراحلين إلى الدار الآخرة..

وبعدما أصبح الحاج "أبو هيثم" طاعناً ًفي العمر لجأ أخيراً إلى تعليم خمسة من أهل حيه ليستمروا على نهجه في تغسيل الموتى ويحفظون أسرارهم التي لا يسمح بالحديث عنها إلا لموعظة أو برهان.


الحاجة المشهورة بـ"أم رائد سالم" ( 56 عاما) اقتحمت هذا المجال منذ ثلاثة عشر عاما حينما توفيت إحدى نساء العائلة وساعدت المغسلة في تغسيلها.. يومها طلبت المغسلة بلسانها أجرة التغسيل -40 ديناراً- الذي استكثره أهل الميت مما دفع "أم رائد" إلى إعلان أنها ستصبح من المغسلات اللواتي يغسلن أمواتهن مجاناً ابتغاء مرضاة الله.

وفي ثالث أيام العزاء توفيت إحدى جاراتها، فلجأ ذووها إلى طلب الحاجة "أم رائد" لتغسيلها فما كان منها إلا التلبية واقتحام هذا المجال في أول مرة في حياتها.. واستطاعت تغسيل الميتة تغسيلاً صحيحاً.. لتنطلق نحو عالم من الأسرار والخفايا من حياة الراحلين إلى الدار الآخرة..

"كل بداية صعبة".. بهذه العبارة لخصت كلامها حول صعوبة المشهد في تغسيل الميتة.. حيث التعامل مع أموات أحياناً تكون أجسامهن غير سويات حيث التجلطات.. وأخرى ميتات نتيجة مرض خطير.. وأخريات محروقات.. والتعامل يجب أن يكون معهن سليماً..

وأضافت:" حينما تقتحم المرأة هذا المجال يصعب عليها الأمر في البداية لكنها سرعان ما تتخطى ذلك بقوة إيمانها وعزيمتها.. الأمر الذي يجعلها لا تفكر إلا في خشية الله أكثر عمن سواها.. وأنها في يوم من الأيام ستكون بدل هذه الميتة".


وأصبحت "أم رائد" أشهر من "نار على علم" في تغسيل موتى المسلمين من الإناث والصبيان من شمال قطاع غزة إلى جنوبه لما عرفت به من صلاحها واعتدالها..

واستطاعت الحاجة "أم رائد" من تغسيل أكثر من "1500 ميتة" خلال فترة عملها في هذا المجال، متمنية أن يرزقها الله بأناس صالحين مؤتمنين لكي يغسلوها يوم أن تفارق الحياة إلى بارئها التي تمنت لقاءه.

وتستذكر "أم رائد" إحدى حالات النساء مما كانت خاتمتهن حسنة.. حينما اتصل بها أهل صديقتها المتوفية من المستشفى وهو يطلبونها بأن تحضر لتغسلها.. يومها رأت وجه صديقتها المتوفية يشع نورا وكأنها "بنت 14" -بحسب تعبيرها- وقد لاقت فيها خفة غير مشهودة في تغسيلها.. مشيرة أنها كانت في حياتها تلتزم بشكل يومي في صلاتها وقراءة الورد القرآني بعيدا عما تلوك به ألسنة النساء من غيبة ونميمة..


وفي حادثة أخرى ممن كن من أصحاب الخاتمة السيئة، تحدثت "أم رائد" أنها في ذات يوم كانت تغسل امرأة كبيرة في السن شاهدت وجهها الأبيض يميل إلى الازرقاق المسود بشكل مخيف باختلاف كلي عن لون جسدها.. يومها غسلتها على عجل وأمرت النساء بعدم توديعها فلم يكن لها إلا ابن واحد، ومرت الحكاية..

وفي اليوم الثاني للعزاء ذهبت "أم رائد" لإلقاء الموعظة، فجاءت "كنة" المرحومة وأخبرتها بأن "عمتها التي توفيت كانت تخوض كل يوم في شرف "ضرتها" وتقذف أعراضها"، حتى بان المستور في آخر يوم من حياتها وماتت على ما هي عليه من معصية..

ومما يجب المحافظة عليه أثناء تغسيل الميتة هو حفظ أسرارها وعدم البوح فيها لأي إنسان.. أخذاً بوصية الرسول: "لا يغسل ميتكم إلا مأمون".. حيث يكون بمثابة أمين سر الميت لا يحدث بما يراه إلا إن كان خيراً فإنه يبشر.. ويصمت إذا رأى ما لا يبشر..


أما الحاج أبو الوليد الصواف (62عاماً) فقد عمل في مجال تغسيل الموتى منذ خمس وعشرين عاماً، حيث كانت البداية حينما توفي أحد أفراد عائلته وجاء المغسل ليغسل جثته، وكان هو مساعد في تغسيل ابن عائلته، فتعلم على يدي مغسله كيفية التغسيل وأصبح يطلبونه الناس على الهاتف إذا توفي أحدهم..

وقد استطاع الحاج "أبو الوليد" من تغسيل ما يفوق المائتين من أموات المسلمين خلال تلك الفترة رأى فيها "العجب العجاب" -كما يقول- واستقى من الدروس والعبر ما يكفي لعدم عصيان الله سبحانه وتعالى، بل الأمر الذي جعله أشد خشية لله عمن سواه..

والحاج أبو الوليد لم يأخذ ذلك العمل لكسب رزق أو معونة من أحد، بل ابتغاء مرضاة لله عز وجل.. فهو دائما ما يكون جاهزاً لأي داعٍ يدعوه بأن يغسل ميتاً.. فيسارع إلى البيت لإحضار أحد الأكفان المجهزة ويذهب إلى حيث المعلوم.. غير متقاضٍ من أهل الفقيد سوى ثمن الكفن..

ويشرح الحاج أبو الوليد كيفية الغسل بالقول:" بعد وضع الميت على خشبة التغسيل التي عادة ما يأتون بها من المسجد، نقوم بعملية تليين ليديه لكي يمدهما ونستطيع وضعهما فوق بعضهما البعض؛ ليسهل غسله".

وبعد إحضار أهل الميت "بشكير" و"منشفتين" يؤتى بإحداهما وتوضع على عورة الميت ليتم إزالة ملابسه كاملة، وليبدأ الغسل بالتأكد من عدم وجود أي غائط في دبر الميت، والتأكد من ذلك بإجراء ثلاث عمليات تسمى بعملية "النحنحة"، حيث يجلّس الميت لإخراج ما هو موجود في جسمه من بول أو غائط..

مساعد المغسل يكون بجواره، وظيفته صب الماء المخلوط بالصابون بدلاً من الكافور غير المتوفر وذي الثمن الباهظ، على الأماكن التي يمر عليها المغسل، مع الحذر ألا تدخل المياه إلى أنف الميت أو فيه لئلا تخرج مجددا عن طريق القبل أو الدبر نتيجة انعدام الأعصاب والتحكم فتتسبب بنجاسة الميت وتغسيله من جديد.

وعلى المغسل أن يعمم الماء على جميع جسد الميت، حيث يبدأ بجانبه الأيمن من أعلى الرأس إلى أسفل وينتقل إلى الجانب الأيسر، ومن ثم إلى ظهره، مع تمرير الماء بين الفخذين بشكل جيد.

وحينما ينتهي الميت من الغسل، يوضأ كمن يتوضأ للصلاة، ومن ثم ينشف الجسد جيداً بمنشفة أخرى غير مبللة وكذلك خشبة الغسل ثم يفرد الكفن المكون من ثلاث قطع للرجل مع "وزرة".. ويلف الميت بها كالطفل الرضيع بحيث توضع يده اليمنى فوق اليسرى.

أما الدفن فيكون بوضع الميت على جانبه الأيمن ووضع رأسه على "مخدة" من الرمل، و"سندة" خلف ظهره نحو القبلة، ومن ثم تفك أربطته ويكشف عن وجهه.. وتغلق البلاطات.. ويبدأ أحد الشيوخ بقص موعظة على المشيعين ويغادرون بعدها القبر.. ليبدأ سؤال الملكين " من ربك؟ ومن الرجل الذي بعث فيكم؟.. وما دينك؟.. و..".


ومما يرى "أبو الوليد" أنه من أسرار الراحلين للدار الآخرة وبيان خاتمتهم هو ثقل الميت أثناء التغسيل واسوداد وجهه بشكل لافت.. كذلك ثقل النعش أثناء الذهاب على المقبرة ووخز المشيعين للإسراع فيه، مشيراً إلى أن ثقل النعش وبطأه ينم عن سوء خاتمة الميت في الدنيا وعدم قبوله بمكانته في الآخرة وهو على خشبة التغسيل..

في حين يرى أن الميت صاحب الخاتمة الحسنة فإنه عادة ما يكون خفيف الجسد أبيض البشرة كأنه نائم أثناء غسله.. وكذلك يكون نعشه خفيفاً يتسابق به الناعون إلى المقبرة ليس بخاطرهم، ولكنه عمله الصالح الذي رأى روضة من رياض الجنة يسرع نحوها.. لافتاً النظر أن تلك الأحداث كثيراً ما تحدث ويشعر بها الأحياء في جنائزهم..


الحاجة المعروفة بـ"أم عماد غراب" (57 عاما) ترى أن كل ما يستطيع المرء أخذه من تغسيل الموتى هو "تجهيز الأنفس ليوم السكرات والحساب".. فابنتها المعاقة كانت الدافع لها لأن تميل إلى العمل في "مهنة مجانية" ابتغاء مرضاة الله وطمعاً في الغفران وأن يلهمها الله الصبر في تربية ابنتها المعاقة.

وعملية تغسيل الموتى ليست سهلة -هكذا قالت- بل إنها تجعل الإنسان من هولها أن يضع الآخرة نصب عينيه وأن يكون أشد اتقاء لله عمن سواه من البشر.

وتتعمد "أم عماد" أن تلقي درساً دينياً في عزاء الميتة في اليوم الثاني من العزاء لكي تستطيع أن تحبس دموعها ولتبدو وكأنها غير متأثرة على عكس مشاعرها في اليوم الأول من تغسيلها.

وفي طرفة تستذكرها "أم عماد" أنها قد غسلت امرأة مرتين.. حيث كانت المرأة قد غُسلت ولم تكن ميتة بل كانت في حالة غيبوبة.. وما نجاها من ظلمة القبر هي حركة يدها في اللحظة الأخيرة بجانب القبر.. الأمر الذي دهش ذويها الذين سارعوا بحملها إلى المستشفى.. ليُكتب لها عمر جديد وتعيش سنوات عديدة.. إلى أن توفيت هذه المرة بشكل حقيقي لكي تغسلها "أم عماد" "تغسيلتها الأخيرة الحقيقية"..

ملفات أخرى متعلفة