إقرأ المزيد <


يهود أمريكا يضيقون ذرعًا بـ(إسرائيل)

صالح النعامي
ثلاثاء ١٦ ٠٩ / ٢٠١٤
تبدي دوائر الحكم في تل أبيب قلقاً كبيراً إزاء العديد من المظاهر التي تعكس تهاوي الروابط بين يهود الولايات المتحدة و(إسرائيل)، لدرجة أن هناك أوساطا يهودية باتت توظف وزنها وعلاقاتها مع الإدارة الأمريكية لإفشال سياسات حكومة بنيامين نتنياهو. وترى بعض دوائر صنع القرار في تل أبيب أنه يتوجب عدم مواصلة الرهان فقط على النفوذ الذي تحظى به منظمة «أيباك»، أقوى المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة ودورها في تأمين دعم أمريكي متواصل لـ(إسرائيل) من خلال الضغط على الكونغرس والإدارة.

فقد كشفت صحيفة «معاريف» في عددها الصادر الجمعة الماضي النقاب عن أن أوساطا يهودية أمريكية، ضمنها منظمة «جي ستريت»، ذات التوجهات الليبرالية تضغط على إدارة الرئيس أوباما لتبني خطة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للإعلان عن الدولة الفلسطينية، عندما يقوم عباس بطرحها أمام الأمم المتحدة، وهي الخطة التي تعارضها (إسرائيل) بشدة. وهناك ما يشير إلى أن الصدع بين (إسرائيل) واليهود الأمريكيين أعمق مما تتصوره دوائر الحكم في تل أبيب.

وحسب ما ذكرته صحيفة «هآرتس» في عددها الصادر الخميس الماضي، فإن استطلاعا للرأي العام أجري في أوساط اليهود الأمريكيين دلل على أن 75% منهم لا يريدون ربط مصيرهم بمصير (إسرائيل). وتنضم هذه المعطيات إلى معطيات أخرى تعكس حجم الهوة بين إجمالي اليهود الأمريكيين و(إسرائيل). فقد دل استطلاع للرأي العام أجراه معهد « PEW»، على أن 5% فقط من اليهود الأمريكيين يقولون إن تصويتهم في الانتخابات الرئاسية الأميركية يتأثر بمدى التزام المرشح بمصالح (إسرائيل).

ليس هذا فحسب، بل إن صحيفة «معاريف» كشفت في عددها الصادر بتاريخ 21-4 النقاب عن أن معظم الشباب الأمريكي الذين يقودون حملات المقاطعة ضد (إسرائيل) هم من اليهود. وإن كان لا يوجد في (إسرائيل) خلاف حول مظاهر نفور اليهود الأمريكيين من (إسرائيل)، فإن هناك اختلافا جذريا حول طابع الأسباب التي تطرح لتفسير هذه الظاهرة. فدوائر الحكم والنخب اليمينية المرتبطة بها تدعي أن السبب الرئيس يكمن في تفشي الزواج المختلط في أوساط الأمريكيين، حيث تبين أن 58% من الشباب اليهودي يتزوجون من غير اليهود، وهو ما يؤدي في النهاية إلى التحول عن اليهودية.

وفي المقابل، فإن الأوساط الليبرالية في (إسرائيل) ترى أن السبب يعود إلى ضيق اليهود الأمريكيين، الذين تعتبر أغلبيتهم الساحقة ذات توجهات ليبرالية ذرعاً بالسياسات التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية التي تتناقض مع التوجهات «الإنسانية» لهؤلاء اليهود. ويرى المفكر الإسرائيلي كارلو شتيرنغير أنه ليس من المستغرب أن يظهر اليهود الأمريكيون، ذوو التوجهات الليبرالية كل هذا الجفاء تجاه (إسرائيل)، في الوقت الذي يتم التضييق فيه على الليبراليين في (إسرائيل) ذاتها، لدرجة أن الكثير من النخب الليبرالية الإسرائيلية تجاهر برغبتها في مغادرة (إسرائيل) إلى غير رجعة.

وفي مقال نشرته «هآرتس» الجمعة الماضية، نوه شتيرنغير إلى حقيقة أن الكثير من النخب الإسرائيلية الليبرالية تبحث بصمت عن أماكن تستقر فيها خارج (إسرائيل)، سيما في برلين أو نيويورك أو لوس أنجلوس. وحسب شتيرنغير، فإن اليهود الأمريكيين والبريطانيين باتوا يؤمنون أن سلوك الحكومات الإسرائيلية والنخب المرتبطة بها يدلل على أن الصهيونية في نسختها «الليبرالية» قد وصلت إلى نهاية دربها، وأنه لا يمكن لليهودي أن يكون صهيونياً وفي الوقت ذاته ليبرالياً، مشيراً إلى أن هذا يفسر الحماس الذي يستقبل به يهود العالم الانتقادات التي توجه لعدم التسامح إزاء الليبراليين في (إسرائيل).

ويجزم شتيرنغير أن اليهود الأمريكيين اليائسين «دفنوا» «الصهيونية الليبرالية الديمقراطية»، على اعتبار أنه يستحيل في ظل مواقف الحكومة الإسرائيلية الحالية أن يتم التوصل لحل للصراع يضمن بقاء الطابع «الديمقراطي» لـ(إسرائيل)، بسبب إصرار حكومة اليمين على الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ونوه شتيرنغير إلى أن اليهود الأمريكيين غير قادرين على تفهم قرار الجهاز القضائي الإسرائيلي بعدم توقيف الحاخامات اليهود الذين دعوا خلال الحرب على غزة لقتل المدنيين الفلسطينيين العزل لمجرد أن مثل هذه الخطوة تحقق الردع.

ويحذر شتيرنغير من أن السياسيين اليمينيين الذين يديرون مقاليد الأمور في (إسرائيل) يرون في «الصهيونية الليبرالية خطراً يهدد مشروعاتهم السياسية القائمة على تقديس القبيلة والأرض والعلاقة بينهما.

ومما يضفي صدقية على ما جاء في مقال شتيرنغير حقيقة أن مقال الكاتب الليبرالي روجل ألفير الذي نشر في هآرتس بتاريخ 31-8، والذي أعلن فيه أنه سيغادر (إسرائيل) بعد أن لم يعد بالإمكان لليبرالي مثله، أحدث ضجة هائلة في أوساط اليهود الأمريكيين، حيث إن الترجمة الإنجليزية للمقال حظيت بـ8000 مشاركة على الفيسبوك، وهي ضعف المشاركات التي حظيت به المقال الأصلي بالعبرية.

وعندما أعادت «هآرتس» مؤخراً نشر المقال الذي نشرته بالإنجليزية للمؤرخ اليهودي البريطاني توني جاديت لأول مرة بتاريخ 2-5-2006، والذي جاء بعنوان «حان الوقت للتغلب على المشاعر»، والذي عبر فيه عن تشاؤمه إزاء فرص إنقاذ الديمقراطية الإسرائيلية، فإن أكثر من 150 ألف متصفح شاهد المقال، في حين أنه حظي بـ45 ألف مشاركة على الفيسبوك، فقط في الفترة الفاصلة بين 20-7 إلى 20-8، من العام الجاري.

لكن كما هو متوقع، فإن نخب الحكم اليمينية في تل أبيب، تختار كل الحلول التي تجنبها معالجة جذر المشكلة. فنظراً لأنها غير مستعدة لتغيير أي من منطلقاتها الأيديولوجية، فإن هذه النخب تحاول طرح حلول شكلية للصدع بين (إسرائيل) ويهود أمريكا. فوزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان يصر على أن المشكلة تكمن في الزواج المختلط بين اليهود الأمريكيين ومعتنقي الأديان الأخرى، لذا فإنه لا يتردد في تشبيه الزواج المختلط بـ"الكارثة" التي حلت باليهود إبان الحرب العالمية الثانية.

من هنا فقد وضعت وزارة الشتات في حكومة نتنياهو خطة تقوم على محاولة تقليص مظاهر الزواج المختلط في صفوف الشباب اليهودي الأمريكي، بالإضافة إلى قائمة من النشاطات الهادفة لتعزيز الروابط الدينية والثقافية والاجتماعية بين الشباب اليهود الأمريكي و(إسرائيل).

ملفات أخرى متعلفة