إقرأ المزيد <


المراجعات إضاءةً للمقاومة في الضفة

إباء أبو طه
أربعاء ١٠ ٠٩ / ٢٠١٤
لم يكن انتصار غزة مجرد فيلم بطولي يدغدغ حاجتنا للنصر، ويخدّر مكامن الألم فينا، لابد أن ينقلنا إلى رغبة جامحة وتحسس فطري يدفعاننا للبحث عن ملامح وآفاق المرحلة القادمة، وواجباتنا نحن أبناء الضفة الغربية نحوها، لعلنا نعيد صياغة النصر بنكهةٍ خاصة ترتب المشهد السياسي وَفق جهوزيتنا الفكرية.

وأولى الخطوات لذلك إدراك ضرورة إجراء المراجعات الذاتية المضبوطة القائمة على الفهم الصحيح للواقع، والتي توصلنا إلى حقول رحبة من البصيرة والحكمة تكون قادرة على إضاءة الطريق للمقاومة، فمن أشكال هذه المراجعات القيام بعمليات نفض فكري لبعض الأفكار والرؤى والمسلمات التي يتداولها الشباب ابتداءً من الجامعات وصولاً إلى قطاعات مختلفة؛ فلا يحق لشباب الحركة الإسلامية _مثلاً_ لعب دور الإقصاء والتهميش للآخر، خاصة لمن يحملون رؤى وأيدلوجيات مختلفة، لاسيما في المرحلة التي تبحث فيها المقاومة عن حاضنة شعبية حقيقية يكون لها دور طليعي متفرّد في الشارع الفلسطيني بهباته السلمية والمسلحة، بعيداً عن فكرة التقوقع التنظيمي والعمل الفصائلي الحزبي، وهو ما يمكن طرحه واحدًا من الحلول في ظل حظر السلطة الفلسطينية نشاطات حركتي حماس والجهاد الإسلامي منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007م حتى اللحظة، وارتفاع موجة الاعتقالات السياسية في محاولة لإزاحة الأفراد عن الهدف الأكبر، لهذا كلما اتسعت الحاضنة الشعبية لفكرة المقاومة ولأصحابها نضجت الجهوزيّة واستقرّ العمل المقاوم على تخوم الضفة.

وفي إطار من الحفاظ على بنى المقاومة من الضروري وجود مراكز بحثية خاصة تقوم بدور الرصد والتتبع للمقاومة بأشكالها المسلحة والسلمية في الضفة الغربية، فتقوم بدور شبيه لما يسمى (Think Tank)، وهي بيوت الخبرة في الدول المتقدمة التي يعتمد عليها الساسة والمفكرون في قراراتهم، فنجد _مثلاً_ بيت خبرة في الزراعة وثانيًا في الصناعة وثالثًا في التربية وآخر في الصحة، وإذا ما احتاجت الدولة لأية معلومة تلجأ إلى هذه البيوت لأخذ التقديرات الإستراتيجية حتى قبل السماع من الوزير المختص ومستشاريه؛ لم لا تكون بيوت خبرة خاصة بـ"المقاومة" يمكننا بفضلها تتبع سيرها، ومدارج الصعود والهبوط فيها، والوقوف على مكامن الضعف والقوة أينما وجدت، والدفع نحو تطويرها وتحسينها، في دراسات منهجية تقوم على أرقام وإحصائيات، فتصل إلينا نتائج تساعد على نضوج فكرة العمل التراكمي المقاوم.

ومما تجدر الإشارة إليه ضرورة تفعيل المشاركة والمساندة الشعبية للقضايا الداخلية التي تواجه أبناء الحركة الإسلامية بوجه خاص، لاسيما من السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، وسط استمرار الفصل الوظيفي، والاعتقال على خلفية سياسية، والتضييق والملاحقة الأمنية؛ لخنق أي محاولة تدفع نحو المقاومة، وتعزيز الانكسار في نفوس أبنائها، وبث الهزيمة والاستكانة باتباع سياسة تبعث برسالة مفادها أنه "لا يمكن للضفة نسخ تجربة غزة دفاعاً وانتصاراً"، لهذا نقل قضايا التنكيل من الفضاء الخاص إلى العام هو ما نحتاج إليه، بتظاهرات وحملات وفعاليات وإعلام يكشف عورات كل من له يد في إبادة المقاومة؛ إلى متى سيبقى مناصرو غزة والمقاومة يتكبدون المعاناة في الوقت الذي يسقط فيه بعض الفلسطينيون معركة الوجود من حساباتهم؟!

وآخر ما يدخل في موضوع المراجعة والنقد الذاتي ضرورة بذل الإعلام الفلسطيني أقصى ما يملك من الصوت والصورة وغيرهما؛ لحمل الفلسطينيين على إنضاج ورعاية المقاومة "فكراً وسلوكاً" بخطاب إعلامي يعيد ترميم الوعي، وفتح الآفاق، وشد الأذهان، ولفت النفوس إلى طريق أيقظتنا غزة لها، فلن نقبل إعلاماً منبطحاً يجرّنا إلى الـ(48) ومجازر الصهيونية بحقنا، فنظرة الفلسطيني إلى نفسه قد تغيرت، وهذا يلقي حملاً مضاعفاً على الإعلام لإعادة النظر في الخطاب ومضمونه بالشكل الذي لا يغيّب فيه أية من المواضيع التي تشكل جزءًا من منظومة التحرر، كالاعتقال السياسي والفصل الوظيفي وغيرهما؛ فالأزمات الداخلية هي عائق فعلي في طريق التخلص من الاحتلال والقضاء عليه.

ما عرضناه جزء من بعض المراجعات التي لابد من تناولها، وكما قال د. عبد الكريم بكار: "النقد هو الرئة التى تتنفس بها الأمة، والمصباح الذي يضيء لها الطريق، وهو لا يؤذي إلا الحالات المريضة، ولا يتضايق منه إلا من لديهم نوع من الاعوجاج أو التفريط".

ملفات أخرى متعلفة