إقرأ المزيد <


حقاً.. للحرية الحمراء ثمن

عادل سليمان
أحد ٢٤ ٠٨ / ٢٠١٤
مساء ١٨ أغسطس/آب الجاري، خرجت علينا وسائل الإعلام المختلفة بخبر عاجل، مضمونه التوصل إلى اتفاق لوقف اطلاق النار بين العدو الإسرائيلي والمقاومة في غزة، بشروط مقبولة من المقاومة، أهمها إنهاء الحصار وفتح كل المعابر مع جدول زمني عدة أشهر محدودة، لحل مختلف القضايا المتعلقة بمطالب الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وما كاد الخبر يسري وينتشر على مختلف وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، منسوباً إلى مصادر على اتصال بأجواء المفاوضات في القاهرة، مع تحديد توقيت التوقيع، ليكون قبل الثانية عشرة مساء اليوم نفسه، أي قبيل انتهاء تهدئة الأيام الخمسة الأخيرة، إلى هنا والأخبار بدت طيبة.

ولكن، لم تلبث الاخبار المعاكسة أن توالت تدريجياً بأن الاتفاق يحتاج مزيداً من النقاش، وأن هناك اتجاهاً لمد الهدنة ٢٤ ساعة، لاستكمال إجراءات إتمام الاتفاق! ثم خرج علينا رئيس الوفد الفلسطيني ورجل فتح والسلطة، عزام الأحمد، ليكذّب كل تلك الأخبار، وتأتي الأخبار من تل أبيب باستدعاء وفد العدو الإسرائيلي للتشاور بعد الفشل في التوصل إلى اتفاق.

وفى وسط كل هذه الأخبار المتضاربة، وفي محاولة لفهم المشهد، كان لا بد من العودة إلى آخر تصريحات الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، عقب بدء هدنة الأيام الخمسة، وقبيل استئناف التفاوض، والتي يقول فيها نصاً إن على المقاومة الفلسطينية القبول بالورقة المصرية المقدمة كما هي، والتي لا تخرج عن المبادرة الأولى، أي القبول بوقف إطلاق النار الدائم، ثم الدخول في عملية تفاوض، لا أول لها ولا آخر، كتلك الجارية بين السلطة في رام الله والعدو الإسرائيلي، منذ نحو ٢٠ عاماً، من دون أي نتائج سوى مزيد من المستوطنات وعمليات التهويد للقدس والضفة.

ولم يعلق أحد على تصريحات عباس التي عادت بموقفه إلى نقطة الصفر في أول العدوان، والذي عدل عنه عند تشكيل الوفد الفلسطيني الموحد للتفاوض، وتبني موقف المقاومة بربط التهدئة بإنهاء حصار غزة وتلبية مطالب المقاومة.

المهم أن المفاوضات بدأت من جديد حتى جرى ما جرى من إعلان التوصل إلى اتفاق ثم نفي الخبر، في إشارة واضحة إلى أن وفد المقاومة رفض بحسم الطرح الذي أعلنه أبو مازن، والذي يبدو أنه كان منسقاً مع العدو الإسرائيلي ومع الوسيط المصري مسبقاً، وانتهى الأمر بعودة الوفد الإسرائيلي إلى تل أبيب، بعد ظهر الثلاثاء اليوم الأخير، في تهدئة الأيام الخمسة، وفور عودة الوفد، خرق العدو الإسرائيلي التهدئة قبل انتهائها بساعات، بعد وقوعه في فخ نصبته له المقاومة، بأن سربت لاستخباراته معلومة غير صحيحة عن وجود القائد العسكري لكتائب عز الدين القسام، محمد ضيف، في منزل أسرة الدلو وسط قطاع غزة، فاعتبره العدو صيداً ثميناً، يستحق خرق التهدئة، وبادر بشن غاراته المكثفة على المنزل والمنطقة فسقط ١٤ شهيداً من بينهم زوجة وابن قائد كتائب المقاومة.
للأسف بعض من استمرأوا الذل والمهانة والعمالة من بين ظهرانينا، يعز عليهم رؤية بعض منا ينتزع حريته وكرامته عنوة!
وانهارت التهدئة، وكان على المقاومة أن تمارس حقها في الرد، وفي وسط هذه الأجواء خرج علينا، للمرة الثانية، عزام الأحمد، باعتباره رئيس وفد التفاوض الفلسطيني، ليصرح أن الوفد قدم ورقة مقترحات فلسطينية أخيرة، تتميز بالمرونة، إلى الوسيط المصري، بعد ظهر اليوم نفسه، ولكن الوفد الإسرائيلي لم يهتم بالرد عليها، وغادر القاهرة، وأن الوفد الفلسطيني سيغادر أيضاً.

ولكن، سيبقى على استعداد للعودة في حال حدوث تطور إيجابي، إلى هنا والرد جيد ولكن الأحمد ذكر في سياق تصريحاته، وبشكل يبدو تلقائياً، وكأنه يلوم العدو الإسرائيلي على قصفه العنيف غزة "رداً على خرق الهدنة بثلاثة صواريخ بدائية للمقاومة"، وهكذا قدم للعدو مبرراً ليملأ الدنيا ضجيجاً أن المقاومة هي من خرق الهدنة، وهدد أمن المواطنين "المسالمين". على الفور، بادرت أميركا بالإعلان التقليدي، وكأنه رسالة مسجلة بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها!

لست من أنصار نظريات المؤامرة، ولكني، أيضاً، لا أستطيع تجاهل ما جرى على أرض الواقع. بدأت مرحلة التهدئة والتفاوض الأخيرة في أجواء غير مريحة لأي مراقب منصف، فبعد جولات من الأخذ والرد وتقديم الأوراق وسحبها، وتسريب أخبار عن تقدم ملموس في معظم القضايا ثم نفيها، يتم تقديم ورقة أخيرة، باعتبارها فصل الختام في مسيرة المفاوضات، وحتى تأخذ حقها من الدراسة والنقاش في أجواء مناسبة، تم الاتفاق على أن تكون التهدئة خمسة أيام، وعلى الرغم من عزوف جميع الأطراف عن الحديث، أو التعليق، خرج علينا أبو مازن، في البداية، بتصريحه الذى أشرنا إليه، ثم ومع توقف التفاوض واستئناف العدوان، خرج علينا عزام الأحمد بتصريحه الذي يحمل إسرائيل مسؤولية تعطيل المفاوضات، لكنه يعلن أن المقاومة هي من بدأ خرق الهدنة بثلاثة صواريخ، وإن كانت بدائية على حد قوله.

فماذا يعني ذلك كله؟ والسؤال المهم: أين بيان، أو توضيح مصر لما جرى ويجري، باعتبارها الطرف الراعي والمضيف لتلك المفاوضات الشديدة الحساسية؟ أما السؤال الأهم فهو أين الولايات المتحدة الأميركية، والكل يعلم أن لها وفداً مقيما بجانب الوفود المتفاوضة، يراقب ويدقق في كل ما يجري، وفي نهاية كل جولة تفاوض، تذيع واشنطن رسالتها المسجلة عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها! وكأن الفلسطينيين من حقهم فقط الموت في منازلهم، أو في مدارس الـ"أونروا" التي يلجأ إليها من يبقى منهم على قيد الحياة.

ولمن لا يعلم هناك أيضاً وفد أو مجموعة عمل من الاتحاد الأوروبي، تراقب المفاوضات عن كثب، ولا حس ولا خبر.

مرة أخرى، ماذا يعنى ذلك كله؟ أعتقد يقيناً أننا أمام لحظة حقيقة نادرة، يواجهها الشعب الفلسطيني ومقاومته، وعليه أن يقرر: الحرية أو أغلال الاحتلال والحصار؟ ولأن الشعب الفلسطيني أدرك بعد مسيرة نضال طويلة أنه لا معنى، ولا قيمة للحياة في ظل الاحتلال، وتحت الحصار، فقد جاء القرار من غزة واضحاً قاطعاً: الاختيار هو الحرية، ولم يكن الاختيار سهلاً، ولن يكون، لأن أعداء الحرية كُثر! ليس فقط الإسرائيلي المحتل، ومن يتحالف معه ويدعمه.

ولكن، وللأسف بعض من استمرأوا الذل والمهانة والعمالة من بين ظهرانينا، ويعز عليهم رؤية بعض منا ينتزع حريته وكرامته عنوة! هذا هو التحدي الحقيقي أمام المقاومة الفلسطينية، بل والشعب الفلسطيني في لحظة فارقة من تاريخه، وليكن على ثقة بأن دماء شهدائه هي الثمن، وهي نور وحق.. وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمــراءِ بابٌ.. بِكُلِّ يَدٍ مُضَــــرَّجَةٍ يُدَقُّ.

ملفات أخرى متعلفة