.main-header
إقرأ المزيد <


سخروا من المقاومة ثم بدأوا باستثمارها!

حلمي الأسمر
ثلاثاء ٢٩ ٠٧ / ٢٠١٤
كتاب وزعماء، وقادة رأي، متلونون، لا تعرف إن كانوا يساراً أو يميناً، انتماؤهم الأول والأخير لجيوبهم، أو لكراسي الحكم، أو للمكتسبات الشخصية، مهما كان مصدرها. هؤلاء سخّروا قدراتهم على الكتابة، أو في السلطة لجمع المال، أو تعزيز قبضتهم على البلاد والعباد، كل حسب موقعه. ما فعلوه حيال العدوان على غزة يذكّرني بمقولة غاندي: "في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر"، مع تعديل بسيط، ولكنه جوهري. في البداية، تجاهلوا المقاومة، ثم سخروا منها، وحاولوا محاربتها، وحين فشلوا وأثبتت فعاليتها، بدأوا يستثمرونها، حسب موقع كل منهم!".

فالكاتب الذي يعتمد على انعدام ذاكرة قرائه، وبدأ بتسخيف المقاومة في البداية، والسخرية من "الصواريخ العبثية"، تحول إلى منظر للمقاومة، وممجد للرجال الرجال، "الذين أنقذوا سمعة الأمة"، بعد أن مرّغها الصهاينة بالتراب. وترى الرجل، من بعد، وقد تحول إلى "ثائر" بمعنى الكلمة، يُنحي باللائمة على من "يخذل" المقاومة، وهو من فعلها، ونظّر للهزيمة، ولكن، بعد أن أيقن أن غزة صمدت، وبدأت بفرض وقائع جديدة على الأرض، تحول إلى تمجيد "الإنجاز" الكبير، وقد كان من قبل: فخاً نصبته قوات الاحتلال!

أما الزعيم الذي أفنى عمره في إنتاج أمصال ومضادات للكرامة والحرية والكبرياء، لحقن شعبه بها، فقد كرس كل مصادر "الدخل القومي" وخبراء ومستشاري سموه، أو جلالته، أو فخامته، لاجتراح حلولٍ فورية تقضي على أي ظاهرةٍ من ظواهر الرجولة، تظهر في أي بقعة عربية، سواء كان اسمها "ربيعا" أو "مقاومة" أو "حراكا شعبيا" أو "عفاريت زرقاء"، فالمهم أن يبقى الشعب مستكيناً لولي الأمر، محافظاً على بيعته. وقد خص هذا الصنف من الزعماء المقاومة في غزة بقسطٍ وافر من تآمرهم، أو قل خططهم، للإجهاز على المقاومة، ومنعها من تحقيق أي منجز، خوفاً من زراعة بذور "كرامة"، لها خطورة كبيرة على استيقاظ الشعب من لذيذ الأحلام بزيادة راتب، او مكرمة، أو عيدية، أو إعفاء من دين، أو أي نوع من أنواع "العلف" الذي تظهر تأثيراته جلية في "القطعان"!
حرب "العصف المأكول" يبدو أنها ستعيد رسم خارطة المنطقة، مهما كانت نتيجتها، فقد أعادت تصنيف الدول، حسب مواقفها، بصورةٍ لا لبس فيها
أقول إن هؤلاء خصّوا غزة بخطط الإجهاز على المقاومة، وليس التآمر، ذلك أن قصة التآمر كانت، منذ زمن بعيد، بعيد جداً، موغل في "النكبة" و"النكسة"، وما بينهما وما تلاهما، فبعد أن "تآمر" الجيل الأول من فرسان الأنظمة العربية على فلسطين وأهلها، وكانوا عوناً في إقامة إسرائيل، وإحلال اليهود محل العرب، و"ترتيب" ملاذات غير آمنة للمهجرين، واللاجئين، والهاربين من المجازر، وديمومة تدعيم "عود" دولة الاحتلال الوليدة وتقويته، ومن ثم "توسيع" دائرة الأراضي التي تحتلها، بإضافة ما يزيد على مساحة فلسطين أضعافاً مضاعفة من الأراضي العربية، لدولة الاحتلال، في حرب قيل إنها استمرت ست ساعات، ها هو الجيل التالي من فرسان الأنظمة إياها، يكمل المهمة، فتبدأ مرحلة التخطيط العلني، لا التآمر السري، فترى "زعيماً" يخرج على الناس بمنتهى الوقاحة عبر تصريحات رسمية، أو تسريبات هنا وهناك، عبر أبواقه الإعلامية وطبوله الجوفاء، ليؤكد أنه ليس معنيا بالمقاومة، بل يساوي في تعبيراته بين الاحتلال الغاصب وضحاياه، فيصبح المشهد كما "يدّعي" مجرد ممارسة للعنف، والعنف المضاد.

وقد يذهب بعيداً في "حنانه"، فيدعو إلى الهدوء، والعودة إلى ما قبل اشتعال المقاومة. وفي الأثناء، لا ينسى أن يسخر منها ويسخفها، ويعيد استعمال التعبيرات الفضفاضة المعلبة ذاتها، الداعية إلى وقف "الاقتتال"، والعودة إلى "طاولة المفاوضات" لإيجاد حل يستند إلى "خيار الدولتين" أو حل الدولتين، وهو يعرف أن مثل هذا الكلام لا يستوي شيئاً، فلا حل ولا دولتين، ولا طاولة مفاوضات، وكل ما هنالك أنه يريد أن يدرأ عن نفسه "فضيلة" الصمت، بدل ما ينطق به من كفر، حتى إذا ثبتت المقاومة في الميدان، وبدأت بتحقيق إنجازات، وبدت للجميع "جدوى" المقاومة، وقدرتها على إلحاق الأذى بالعدو فعلياَ، جن جنون الحاكم، فنقل "بندقيته" من كتفٍ إلى كتف، ولو تمثيلاً، وقد يصرف تصريحاً ملتبساً "يمتدح" الضحايا، ويترحم على أرواح الشهداء، ثم يغوص تحت السطح، لاستئناف التآمر الخفي، أو محاولة الاستفادة من الوضع الجديد، على أي نحو من الأنحاء!

لقد ثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أن الفلسطينيين لم يكونوا يقاتلون (إسرائيل) فقط، بل كانوا يقاتلون منظومةً متكاملةً من الاصطفاف العربي والدولي الذي كان يدعم إسرائيل سراً بكل قوة. وبذلك، فإن أهمية الحرب على غزة، اليوم، أنها أسقطت الأقنعة عن وجوهٍ طالما تشدقت بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، فيما كانت، بالخفاء، تمد (إسرائيل) بأسباب القوة، بعد أن كان لها الذراع الطولى في إقامتها. حرب "العصف المأكول" يبدو أنها ستعيد رسم خارطة المنطقة، مهما كانت نتيجتها، فقد أعادت تصنيف الدول، حسب مواقفها، بصورةٍ لا لبس فيها، من مع إسرائيل، ومن مع فلسطين بلا رتوش. لسنوات خلت، انطلت كذبة وقوفها ضد إسرائيل، و "دعم" الشعب الفلسطيني، واليوم، سقطت ورقة التوت، وبانت عوراتها بأقبح ما يمكن، وهي معادلة لها ما بعدها!

ملفات أخرى متعلفة