إقرأ المزيد <


يأس المرحلة وتفاؤل التاريخ

ساري عرابي
ثلاثاء ٢٤ ٠٦ / ٢٠١٤
الضعف الذي يصيبنا ونحن نعبر المرحلة التاريخية، ينطوي على قوة تدفعنا إلى إعادة تفسير المرحلة بما يبرر لنا تخلينا عن دورنا التاريخي وانسحابنا من مواقعنا في عملية التدافع الطاحنة، وبهذا لا نرى في المرحلة إلا ما يبعث على اليأس، وتستغرقنا تفاصيلها التي تفتك بقدراتنا العصبية وتحول دون احتمالنا لضرورات الصراع، وبهذا ننسب إلى المرحلة يأسنا ونحمِّل يومياتها القاسية المسؤولية عن عجزنا وانسحابنا وتركنا الميدان ليملأه من ننشغل بشتمهم أو من ننزوي خوفًا منهم، ونحن بهذا كله لا نفعل أكثر من التعبير عن خيبة الأمل من أوهامنا التي خلقناها بأنفسنا، أو التغطية على ضعفنا ومنحه معنى خداعًا يلقي بالمسؤولية على التاريخ.

لكن اليأس الذي ننسبه إلى المرحلة أيضًا؛ تعبيرٌ عن ضعف من نوع آخر، وهو ذلك القصور العاجز عن الإحاطة بكل العوامل المؤثرة في المرحلة التاريخية التي وجدنا أنفسنا في غمارها، ومن ضمن تلك العوامل أفعالنا الصغيرة بطاقاتنا المحدودة، مأخوذين بطغيان الصورة التي تفترش القوة المدججة واجهتها، حتى لا تكاد تبين عن العوامل الأخرى التي تحفر بعمق ودأب في قلب المرحلة التاريخية وهي تسلمها إلى مرحلة أخرى، فهو قصور معرفة إذن، لا إمكان للتعويض عنه إلا بالإيمان والوعي والإرادة والالتزام والإصرار على اتخاذ الموقع الصحيح في عملية التدافع القاسية.

لا يمكن أن تكون المرحلة باعثة على اليأس، أو يائسة في ذاتها، ما دامت فصلاً من فصول هذا التاريخ، وإذا أمكن أن نعرّف التاريخ بأنه مسار التدافع الإنساني، والكاشف عن حقائق التداول بين البشر، فإن الصورة التي تحتل واجهة المرحلة لا يمكن أن تستمر في احتلال واجهة التاريخ كله، فإعادة تعريف المرحلة التي نعيشها كفصل في التاريخ، وإعادة قراءة التاريخ كتداول بين البشر، يخلص المرحلة من يأسنا الذي نلقيه عليها.

لم تكن مشكلتنا في هذه المرحلة الراهنة إلا مع أوهامنا أولاً ثم مع عجزنا ذاهلين حيارى بعد انكشاف هذه الأوهام، فأغلقنا نوافذ الوعي، وأشرعنا نوافذ الأماني والرغبات نشاهد منها فاتحة التحولات، التي حسبناها ناعمة وأردناها هينة، فتوهمنا أنها لن تكون إلا كذلك، حتى تفاجأنا بالعنف والفوضى والاستعصاء وانعدام اليقين، بينما لو أدركنا قيمة هذه المنطقة في الصراع الحضاري، ومستوى التحدي الاستعماري، وطبيعة النخب الحاكمة، وبنية نماذج الحكم القائمة، والأمراض الجاثمة في بواطن هذه الشعوب، لما توهمنا أبدًا أنه الربيع الذي يأتي فجأة ثم يقيم ولا يبيد!

أما ونحن نبصر جهلنا بأنفسنا والعالم، ونتحقق من تغييبنا المعرفة خلف سراب الأماني، وقد دهمتنا المرحلة بقسوتها، فإن هذه المرحلة إذا وُضعت في سياق الحدث كحركة تاريخية كبرى تغطي الجغرافيا العربية التي يتداخل فيها العالم كله، وتتسع في الزمان الذي تجري فيه دون توقف، وتتخلخل فيها البنى الموروثة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويتغير فيها شكل المنطقة، وتنكشف فيها الخفايا باضطراد، وتسفر فيها الشعوب والمجتمعات عن نفسها بكل تناقضاتها وعيوبها، وتجرب فيها الأمة كل حلولها في وقت واحد، بينما تتطهر قوى الأمة من جهالاتها، وتنفي عنها خبثها، والعدو يتضح صفه باستمرار، فإن هذه المرحلة حتى في أحداثها وتفاصيلها اليومية لا تبعث على اليأس، لأنها تكشف عن تدافع عنيف، تعامل معه العدو بجدية بالغة، واستخدم فيه أسلحته مرة واحدة، من العداوة السافرة إلى الحيلة المخاتلة.

هذا النوع من الصراع أكبر وأوسع من الجماعات والأحزاب السياسية، ولا يدار بمنطق المنافسة على مقعد انتخابي، ولأنه مفتوح وطويل فإن له معايير نجاح وفشل خاصة به، لا يمكنها اعتبار الإنجاز الحاصل لأي قوة نجاحًا فعليًا ما دام الحدث مستمرًا بلا انقطاع.

ورغم ذلك، فإن الافتقار إلى الإحاطة بالمرحلة، والقصور عن إدراك كل عواملها، حاصل أبدًا، بما يبعث على إرادة التعويض المعرفي المستمر، بتجريد القوة والضعف من الأوهام الملصقة بهما، خاصة بعد انكشاف هذا الجهل المريع بالذات والعالم، بيد أن ذلك لا يكفي، لأن معرفة كل العوامل المؤثرة تحتاج إحاطة يفتقرها الإنسان بطبعه، ومن هنا فإن القوى البشرية التي تحتكر القوة والمعرفة تدهمها الأحداث بغتة وهي لا تشعر، وهو ما يحيل إلى قيمة الإيمان بالله كمحيط بكل شيء، والإيمان بالذات كعامل مؤثر في التاريخ على أساس أن لكل فعل موقعه في الحركة التاريخية يتساوى في ذلك الفعل الكبير والصغير، فنجاحات المستضعفين في مواجهة المستكبرين عبر التاريخ كانت حصيلة أفعال المستضعفين التي تبدو بسيطة وغير مؤثرة، وإذا كانت المرحلة فصلاً في التاريخ لا نهايته، فإن أثر الأفعال تراكمي وعابر للزمان والمكان، وبهذا تبرز أهمية القيام بالواجب كقيمة أساسية في هذه المرحلة التاريخية.

*ملاحظة: العنوان مستعار من «محمد أبو القاسم حاج حمد» في كتابه «العالمية الإسلامية الثانية».

ملفات أخرى متعلفة