إقرأ المزيد <


السلطة وأوراق القوة المعطلة في مواجهة (إسرائيل)

صالح النعامي
جمعة ١٣ ٠٦ / ٢٠١٤
تحاول إسرائيل دائما تكريس انطباع مفاده أنها الطرف الذي يملك من أوراق القوة ما يمكنه من إملاء مواقفه على عدوه، بحيث لا يكون أمام قيادة العدو إلا قبول ما تعرضه تل أبيب.

فردا على قرار قيادة السلطة الفلسطينية التوجه للأمم المتحدة وتوقيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس على طلبات انضمام دولة فلسطين إلى 15 منظمة وميثاقا دوليا، سارعت إسرائيل لاتخاذ إجراءات عقابية ضد السلطة، من بينها تجميد تحويل عوائد الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة وفرض قيود على العديد من مشاريع البنى التحتية التي تعكف السلطة على إنشائها بالتعاون مع المجتمع الدولي. لكن القيادة الإسرائيلية تعي أن لدى قيادة منظمة التحرير من أوراق القوة ما يمكنها من إلحاق أذى كبير بالكيان الصهيوني.

ويدرك صناع القرار في تل أبيب أنه في حال تعاملت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية مع قرار التوجه للأمم المتحدة كتحرك نضالي شامل ضد الاحتلال، فإنه سيكون بإمكانها تلقين الحكومة الإسرائيلية درسا لن تنساه وسيعري قادة الكيان الصهيوني ليس فقط أمام العالم، بل سيحرجهم أمام الرأي العام الإسرائيلي بعد أن يكتشف الإسرائيليون بؤس الرهان على عوائد الإستراتيجية التي يعتمدها هذا الكيان في التعامل مع القضية الفلسطينية.

ورغم أن هناك ما يدلل على أن قيادة السلطة الفلسطينية غير معنية بخوض غمار مواجهة حقيقية وشاملة مع إسرائيل، فإنه في حال ثبت العكس وجاء التحرك الدبلوماسي الفلسطيني الأخير كجزء من إستراتيجية نضالية شاملة، فإن هذه الإستراتيجية يجب أن تشمل المركبات التالية: حل السلطة الفلسطينية، وتفعيل النضال الدبلوماسي، والتوافق على برنامج وطني شامل.

عوائد تفكيك السلطة
يكثر المسؤولون الفلسطينيون أثناء لقاءاتهم مؤخرا مع نظرائهم الأميركيين والإسرائيليين من التهديد بحل السلطة ردا على تواصل مشاريع الاستيطان والتهويد، لأنهم يدركون تماما طبيعة المخاوف الإسرائيلية من تبعات أي قرار فلسطيني بتفكيك السلطة.

وبغض النظر عن جدية هذه التهديدات، فإن قرار حل السلطة الفلسطينية سيفضي إلى مراكمة أعباء أمنية وسياسية واقتصادية هائلة على كاهل إسرائيل وسيقلص إلى حد كبير من هامش المناورة المتاح أمام القيادة الإسرائيلية.

إن حل السلطة الفلسطينية سيحرم إسرائيل من مزايا "الاحتلال المرفه"، المتمثلة بالتمتع بعوائد الاحتلال عبر مواصلة التهويد والاستيطان وتحويل الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى سوق للبضائع الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية توفير الخدمات للفلسطينيين، وهي المسؤولية التي كان يتوجب على إسرائيل تحمل تبعاتها كدولة احتلال.

وفي حال تم حل السلطة الفلسطينية، ستكون إسرائيل مطالبة بالقيام بواجباتها كدولة احتلال، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة للفلسطينيين، على صعيد الإغاثة والصحة والتعليم وغيرها، وهو ما سيؤدي إلى تحميل الخزانة الإسرائيلية عبئا ماليا باهظا لا يقل عن سبعة مليارات دولار في العام (صحيفة جلوبس، 7/4/2014)، مع العلم بأن تقديرات إسرائيلية أخرى ترجح ألا يقل العبء عن عشرين مليار دولار سنويا (يديعوت أحرونوت، 20/4/2014).

إن حل السلطة سيحرم إسرائيل من عوائد التعاون الأمني بين أجهزة السلطة الأمنية من جهة، والجيش والمخابرات الإسرائيلية من جهة أخرى. لقد خرج الجنرال إيتان دينجوت، منسق عمليات الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية عن طوره في توصيف العوائد الهائلة التي تجنيها إسرائيل من تعاون أجهزة السلطة الأمنية مع إسرائيل، حيث أكد أن هذا التعاون أسهم في تحسين البيئة الأمنية داخل الضفة الغربية وإسرائيل بشكل غير مسبوق، وقلص بشكل جذري من حجم الأعباء على كاهل الأجهزة الأمنية الصهيونية (صحيفة إسرائيل اليوم، 3/1/2014).

وفي حال توقفت أجهزة السلطة الأمنية عن دورها في التصدي لمظاهر احتجاج الشارع الفلسطيني على ممارسات جيش الاحتلال والمستوطنين، التي تتمثل في مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات والمس بالمقدسات وتنفيذ الاعتداءات المنظمة، فإن هذا الأمر قد يدفع إلى اندلاع مواجهات شاملة بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال، يمكن أن تتطور إلى انتفاضة ثالثة، تنسف البيئة الأمنية القائمة في الضفة الغربية وإسرائيل، وتهيئ الظروف أمام استئناف عمليات المقاومة في وقت يستنفر فيه الجيش الإسرائيلي لمواجهة تبعات التحولات المتلاحقة في العالم العربي.

إن التحول في البيئة الأمنية في الضفة الغربية إثر حل السلطة، سيفضي إلى المس بشكل كبير بالمشروع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، وسيحرمه من أهم مقومات تواصله.

الطوق الدبلوماسي
يدرك الأميركيون والإسرائيليون حجم الضرر المباشر الذي سيلحق بهم في حال قبلت فلسطين في المنظمات والمؤسسات الدولية. فإسرائيل ستواجه التبعات المباشرة لهذه الخطوة، لا سيما في حال انضمام فلسطين لمحكمة الجنايات الدولية، في حين أن محاولة واشنطن إحباط التحرك الفلسطيني سيحرج الإدارة الأميركية وسيفرض عليها أعباء دبلوماسية وسياسية كبيرة، لا سيما وهي تواجه تبعات أزمات متعددة، على رأسها التوتر مع روسيا في أعقاب ضم شبه جزيرة القرم.

إن حل السلطة الفلسطينية من جهة و قبول فلسطين في المؤسسات الدولية من جهة أخرى، من شأنه أن يغير المكانة القانونية للأراضي الفلسطينية حسب القانون الدولي، بحيث يمكن أن يعد أي قرار بالبناء في مستوطنات الضفة الغربية والقدس قرارا غير قانوني، يستدعي ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين قضائيا.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار حملة المقاطعات الدولية التي تتعرض لها إسرائيل وتتسع باطراد، فإن التحركات الفلسطينية في المحافل الدولية يمكن أن تستحيل إلى طوق دبلوماسي يقلص أيضا مكانة إسرائيل الدولية.

برنامج وطني شامل
من الواضح أن إنجاز ما تقدم يتوقف على مدى قدرة قيادة منظمة التحرير على إنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، حيث إن طعن إسرائيل في شرعية تمثيل عباس للفلسطينيين يعد أخطر العقبات التي تواجه التحرك الفلسطيني في المحافل الدولية.

ومن المؤكد أن حل السلطة الفلسطينية سيزيل الكثير من العقبات التي كانت تعترض إنهاء الانقسام، لأنه سيشطب من جدول الأعمال المحاور المتعلقة بتقاسم كعكة السلطة والانتخابات وغيرها من القضايا، التي غذت حالة الاستقطاب الداخلي.

وفي الوقت نفسه فإن البرنامج الوطني يجب أن يضمن توافقا فلسطينيا على كيفية إدارة وضبط الصراع في مواجهة الاحتلال، بحيث يعظم من تأثير الفعل الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى يقلص من قدرة إسرائيل على استغلال التباينات في سلوك الفصائل الفلسطينية.

ومن نافلة القول التأكيد على أن موافقة عباس على استئناف المفاوضات سينسف مصداقيته، ويؤكد حرصه على تعطيل أوراق القوة التي بحوزة السلطة مقابل سراب المفاوضات.

بتصرف

ملفات أخرى متعلفة