المصالحة الوطنية.. عودة إلى الذات!! (2-2)

عبد الله العقاد
الأربعاء ٢٨ ٠٥ / ٢٠١٤
وبعد أن سردنا -في الجزء الأول من المقال- ما يدور في خلد وأخاديد الوجدان الفتحاوي الذي يدفع بقوة ذاتية نحو إنجاز المصالحة الوطنية، وبناء شراكة فلسطينية تحت شعار: "شركاء في الدم، شركاء في المصير، شركاء في القرار" ..

فإنه يجدر أن نوجه الأنظار جيداً وجلياً إلى الدوافع الذاتية التي دفعت هي الأخرى حركة المقاومة الإسلامية - حماس- في ذلك الاتجاه الأصيل والذي يُعدُّ أحد أبرز معالم منهجها المستند إلى قيم الوحدة والاتفاق، وبرنامجها التحرري المقاوم القائم على نبذ الفرقة والشقاق..

فهي وإن جاءت - كحركة تحرر وطني- بعد عقدين من الزمن من انطلاقة حركة فتح إلا أنها كانت قريبة من الوجدان العام للشعب الفلسطيني؛ على اعتبار أنها سليلة الرحم الذي أنجب حركة فتح من قبل، حيث إنها امتداد لجهاد عز الدين القسام وأحمد عبد العزيز وكامل الشريف .. والقائمة تطول بمن كانت لهم إسهامات حفظتها صفحات ناصعة البياض لجهاد الإخوان في أرض فلسطين, تلك الجماعة التي سجلت أروع صفحات المجد شهدت بذلك القدس في صور باهر، وتبة 86 ، الفالوجا، ومغتصبة كفار داروم، وعمليات السبع ،، أجل، تاريخٌ حافلٌ دُوِّن بدماءٍ طاهرة ذكية، فهو محفوظ في ذاكرة الأيام تتناقله الأجيال..

لذلك لم تجد حماس منذ أول يوم في انطلاقتها أنها تبدأ مسيرة المقاومة والفعل التحرري، بل رأت في نفسها ذلك الامتداد لمسيرة بدأها عز الدين القسام بثورته ضد الاحتلال الإنجليزي على أرض فلسطين، واستشهاده في جنين القسام - أحراش يعبد - عام 1935م؛ لهذا كان حرصها أن يكون اسم ذراعها العسكري كتائب الشهيد عز الدين القسام؛ الأمر الذي يعكس عمق امتداد حماس وتجذرها في الوجدان الفلسطيني والعربي والإسلامي..

فهي لم تكن لتنطلق حتى بلغت بانطلاقتها الآفاق, حيث انطلاق انتفاضة المساجد/ انتفاضة الحجارة عام 1987م؛ فكانت بتلك البداية القوية مثار جدل وسؤال..(!!) ولكن من اقترب منها بفكره ووعيه "وألقى السمع وهو شهيد" أدرك أن حماس حركة فلسطينية، وطنية، مستقلة في قرارها، أكدت العمق الإسلامي للقضية الفلسطينية..

ومع هذا الاستشعار بقوة الانتماء والأصالة في الطرح إلا أنها حرصت حرصاً أكيداً على ترسيخ مبدأ الأخوة بين قوى العمل الوطني؛ إيماناً منها بأن الساحة الوطنية يجب أن تسع الجميع دون إقصاء أو تخوين، بل تجد في تعدد البرامج الوطنية أنه يحفظ للقضية حيويتها وقدرتها على فرض البدائل السياسية لكل ظرف بما يناسبه..

فهي لذلك لم تطرح نفسها بديلاً عن أحد، ولا ممثلاً شرعياً ووحيداً، بل انسجمت غاية الانسجام بين مكونات الكل الوطني وبين أطيافه السياسية المختلفة (اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد) فشكلت من نفسها طيفاً سياسياً وطنياً نوعياً زاد المشهد الوطني وضوحاً في الرؤية، وحدَّةً في التمايز والتميُّز، وكانت محركاً إضافياً يدفع بالمسيرة الوطنية نحو تحقيق أهدافها الكبرى وحقوقها الثابتة..

وإن كانت حماس لم تنطوِ بعد في إطار (م. ت. ف) باستثناء مشاركتها مؤخراً في الإطار القيادي المؤقت عقب اتفاق القاهرة عام 2005 إلا أنها حرصت على المسايرة، والعمل بالموازاة؛ تسدد وتقارب، وتجنبت تماماً المعاداة والمواجهة؛ لإدراكها أن التناقض الرئيس يجب أن ينحصر في الاحتلال والاحتلال وحده.. وأن أي تشعب في مسيرتنا الوطنية لا يخدم سوى الاحتلال نفسه الذي سلب أرضنا وأخرجنا من ديارنا وأموالنا..
وهذا ما أكد حرص حماس دوماً على أن تكون رافداً وطنياً يصب في تيار الفعل الوطني الجاد؛ فقد كانت ولا زالت حريصة على إنجاز المصالحة الوطنية بعد أن أمطرنا عارض الانقسام بمطر السوء.. فلم يكن غير سوءٍ لحق بالجميع الوطني، وسوءةً يجب أن تُوارى الثرى.. بعد أن نعق الغراب في خراب الهدم، ونزيف الدم..!

ملفات أخرى متعلفة