إقرأ المزيد <


إلى كل من يهمه الأمر ..

د. غسان العزي
أحد ٢٦ ٠٩ / ٢٠١٠
لقد فجعت جماهير محافظة طولكرم ومعها أبناء الشعب الفلسطيني كله باستشهاد المجاهد إياد شلباية ، ومما ضاعف ردة الفعل وألهب مشاعر الغضب الطريقة البربرية الهمجية التي تم بها تصفية الشهيد وبدم بارد وفي عقر غرفة نومه ، وهو لا يزال في لحظات الإفاقة الأولى من نومه بعد تفجير أبواب منزله ومباغتته بتلك الرصاصات الحاقدة التي مزقت أحشاءه وفجرت قلبه.

وأمام هذا التعاطف الشعبي الكبير ، ونظراً لما تتمتع به أسرة شلباية من تقدير واحترام والتزام , فوالد الشهيد الأستاذ أسعد شلباية أحد كبار المربين الأفاضل على مستوى محافظة طولكرم ، و صاحب الأيادي البيضاء في تربية الأجيال ، وكذلك والدة الشهيد وإخوانه وزوجته الذين شهد لهم الجميع بحسن صبرهم واحتسابهم.

لقد كانت جنازة الشهيد إياد من أكبر الجنازات التي شهدتها محافظة طولكرم حيث تدفق المئات بل الآلاف من المواطنين إلى مستشفى الشهيد ثابت ثابت ، إلى مخيم نورشمس منذ ساعات الصباح الباكر , وللحق ما نظرت لرجل أو امرأة من مخيم نورشمس إلا باكياً ويثني على الشهيد. وسارت الجنازة وكأنها بحر بشري هادر علتها هتافات تمجيد الشهيد والمقاومة وهتافات تلعن المحتل وأعوانه وأخرى تطالب بالثأر وثالثة ورابعة تؤكد أن هذا الشعب حي لم يمت لأننا تعودنا على مفاجآت هذا الشعب.

كنت أرى حناجر المشيعين وكأنها تطلق صليات الغضب الكامنة في الصدور حتى تم مواراة الشهيد الثرى وعاد المشيعون يشكون إلى الله ظلم الظالمين .

إلا أن تداعيات كثيرة حصلت بعد الانتهاء من مراسيم الجنازة وإغلاق بيت العزاء الذي أمه الآلاف من أبناء شعبنا من كل مدن وقرى الضفة الغربية وكأنهم سيل جارف يذكرني بقول الإمام احمد بن حنبل لأحد رجال الخوارج عندما اعتد بكثرة قومه فقال له الإمام المظلوم : "موعدنا يوم الجنائز"، فكانت جنازة أحمد بن حنبل أعظم جنازة في ذلك الزمان بينما مات الرجل الخارجي ولم يدر أحد عنه.

لقد كان من تلك التداعيات :
- استنفار الأجهزة الأمنية التي شنت حملة استدعاءات وتحقيقات لمعرفة أمور تتعلق بترتيب الجنازة وتنسيقها مع العلم وحسب معرفتي الشخصية أن الجنازة كانت من بداياتها إلى آخر يوم في بيت العزاء عفوية وبتقدير المولى عز وجل ومشيئته .

- إن حالة التشنج والاستنفار وردة الفعل العنيفة وغير المسبوقة من قبل الأجهزة الأمنية على نواب محافظة طولكرم قد وترت الأجواء وساهمت في تعكير صفو حالة التواؤم الشعبي الذي حصل بعد الجنازة ، والتي شاركت فيها كل جماهير شعبنا الفلسطيني على اختلاف توجهاتهم, فمن المعروف أنه عقب كل حدث يتوجه الإعلام إلى المعنيين للتعليق ، وباعتقادي الراسخ أن نواب المحافظة قد أجابوا عن كافة الأسئلة الموجهة بتوازن دون قصد الإساءة لأي جهة على الساحة الفلسطينية...ذلك لأنه من حق النائب أن يوضح للناس الحقائق، لأن هناك جملة تساؤلات ثارت في ذهن كل الناس مثل أين كانت الأجهزة قبل وأثناء وبعد الحملة الصهيونية على مخيم نورشمس؟

- ثم لماذا لم تسارع الأجهزة الأمنية ولو من باب العلاقات العامة ورد العتب إلى زيارة موقع الحدث وفتح تحقيق ولو شكلي وتسجيل شهادة الشهود حول الجريمة ؟

- ثم لماذا لم يصدر بيان رسمي غير بيان شجب اغتيال الشهيد من المحافظة يهدئ الناس ويجيب عن استفساراتهم ويطالب بلجنة تحقيق ويعد بمتابعة الموضوع مع المعنيين لإظهار الحقيقة ثم وضع الناس بصورتها ؟ ولقد تساءل الناس وهمسوا لماذا لم تأت جهة رسمية معروفة تقدم واجب العزاء لوالد الشهيد ولو من خلال الهاتف ..؟ ثم بعد ذلك يتم الإساءة لنواب المحافظة.

- إن الذي حصل من جريمة صهيونية على أرض مخيم نورشمس ، وما تبع ذلك من تداعيات بحاجة إلى عقول الرجال أصحاب المواقف المتوازنة أوقات الأزمات،
وللأسف الشديد فشل جانب السلطة في تسجيل تلك المواقف المتوازنة وأخذ يتوعد ويتهدد ويرسل الإشارات إلى النواب ويتهمهم بالإساءة إلى السلطة.

وللحق إن الكلمة الرئيسية على المقبرة انصبت على أمرين : الأول فضل الشهداء عند الله عز وجل والتركيز على وحدة الصف والمصالحة ولم الشمل ومطالبة المعنيين برد فوري على هذه الجريمة بوقف المفاوضات والتنسيق الأمني ووقف الاعتقال السياسي إلا أن كتبة التقارير ومرسليها لم يختاروا من كل تلك المواقف سوى كلمات المطالبة بوقف التنسيق الأمني مقطوعة عن سياقها السابق من الكلام.. ولا أقول هذا الكلام من باب التبرير بل من باب قول الحقائق لان النائب مكلف بتبيانها للناس مهما كان الحق مراً وليس مطلوباً من النائب أن يفصل الكلام تفصيلاً حسب الأهواء والأذواق وإذا لماذا يتمتع النائب بالحصانة ؟؟ وهذا معمول به في كل دول العالم .. إن النواب في المجتمعات التي تحترم ذاتها بإمكانهم إسقاط حكومات وإقالة رؤساء واستجواب رؤساء ومسؤولين وقادة أجهزة .

- لقد كان من المنطق أن تقوم السلطة الفلسطينية بدراسة جدية عن أسباب مشاركة هذا العدد الهائل في جنازة الشهيد وهو استفتاء جماهيري رفض كل إجراءات السلطة ، وأن تخرج بعد ذلك بنتائج ترفع إلى كل المستويات المختلفة تشعرها بضرورة التحرك الفوري لتحسين وجه السلطة وصورتها وأدائها ووقف الملاحقات والاعتقالات ووقف الاعتقال السياسي ووقف الفصل الوظيفي على أساس فصائلي... الا ان الامور سارت بتشنج وبشكل انتقامي غير مسبوق .

- إن الذي لا يطيق سماع الكلمة لأنها مجرد نقد لم ترض هواه ، وهو الذي تعود على المدح والإطراء لا يمكن أن يقود نظاماً سياسياً يرضى عنه كل أبناء الوطن.

- إن الذي يحلل السطور وما وراء السطور من كلام وتصريحات ويبني على ذلك مواقف انتقائية تؤدي دائماً إلى التوتر واستمرار أزمة الثقة داخل الصف الوطني لا يجني إلا على طرحه هو وعلى أدائه هو.

- كان الأولى بالسلطة الإنصات والاستماع إلى هموم الناس ومشاكلهم وآهاتهم ومعاناتهم والعمل على حلها دون تمييز ، وليس على القاعدة الخاطئة (محمد يرث ومحمد لا يرث) .

- إن كافة شرائح المجتمع الفلسطيني اليوم تعاني من التهميش والظلم والإقصاء الوظيفي .. و أنا أعرف أسراً كاملة، الزوج والزوجة وإخوة الزوج وأبناؤهم مفصولون من وظائفهم, أنا أعرف مدرسين أفاضل كراماً فصلوا من وظائفهم يستدينون من هنا ومن هناك بالمئة شيكل والخمسين شيكلاً ، وأعرف بعضهم من لم يشتر هذا العام حقائب وملابس مدرسية لأطفاله.. ثم بعد ذلك تقوم الدنيا ولا تقعد لأن نائباً تكلم كلمة هنا أو هناك .

- إن المحاكمات والاعتقالات والإساءات اليوم تتم على الكلمة لمجرد كونها كلمة .. لقد كشفت جنازة الشهيد إياد عن المخزون الهائل من الغضب المكنون في قلب هذا الإنسان الفلسطيني الطيب المحروم ، وهو يرى أنه مهمش ومظلوم وأن المحظوظ فقط والمقرب هو من ينتمي إلى فصيل السلطة.

- لقد عالجت السلطة كل ذلك بخطيئة اقتحام منزل النائب عبد الرحمن زيدان بعشرات الجنود بكسر أبوابه الرئيسية وبمصادرة وثائقه وبعض ممتلكاته والإساءة إلى أهل بيته كمحاولة تفتيش النساء بصورة غير لائقة ثم اعتقال النائب زيدان وتكبيله واقتياده بصورة مسيئة إلى أحد المراكز الأمنية واستجوابه ثم إطلاق سراحه بعد ذلك وهو في ثياب النوم.. ولكن الأدهى من ذلك والأمرّ فبدلاً من الاعتذار وتبرير منطقي لما حدث من اعتداء على نائب له حصانة وعلى بيته وممتلكاته يخرج بيان محافظ طولكرم ينفي فيه جملةً وتفصيلاً أي عملية اعتقال للنائب زيدان..

- لقد شنت حملة غير مسبوقة على النواب الإسلاميين بالضفة الغربية على بعض مواقع فتح الالكترونية وكيلت الشتائم إلى نواب طولكرم رداد وزيدان والقرعاوي ، وإلى الدكتور عزيز دويك والرمحي وعمر عبد الرازق .وفي موقع الملتقى الفتحاوي طالب أعضاء مشاركون في المنتدى الأجهزة الأمنية بتصفية فتحي قرعاوي وعبد الرحمن زيدان ، ولم نر أو نسمع من جانب السلطة أو الأجهزة أو المحافظ من يستنكر ذلك ، ويطالب هذه المواقع بالكف عن هذه الإساءات وهذا التحريض السافر .

- إن الواقع الفلسطيني مؤسف ويرجع سبب ذلك إلى حالة الانقسام الحاصلة ولذلك يجب أن يدرك الجميع أنه مطلوب من الجميع الخروج من حالة الانقسام أو على الأقل تحقيق الحد الأدنى من التوافق من خلال التواصل الداخلي بدلاً من الاحتكام إلى لغة التهديد والوعيد .

- لقد كنا نحن الإسلاميين قبل أن نكون نواباً ، وعلى الدوام دعاة وحدة و صمام أمان أمام أي فتنة كنا ننزع الفتيل حتى قبل أن يشتعل رغم الإهانات والإساءات والاعتقالات التي لم تستثن منا أحداً ، ورغم ذلك ما غدرنا وما خنا وما خوّنّا بل صبرنا واحتسبنا والأمثلة بحوزتنا أكثر وأكبر من أن تحتويها صفحات سريعة كهذه .

- ولكن ... ليس هذا نهاية المطاف ونقولها لكل الفرقاء في الساحة الفلسطينية وبكل الثقة وليس من منطلق الاستجداء أن ( تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم..) نلتقي على ميثاق شرف لنخرج شعبنا من حالة العداء الداخلي ونوجه كل طاقاته نحو العدو المشترك ولا بد أن أشير هنا إلى ضرورة محاكمة كل مندوب يسجل الحركة والهمس والكلمة مهما كان مصدرها ولا يسجل حالة الغضب والغليان التي لا تريد السلطة سماعها ، ويجب أن يعلم الجميع ويحذروا أن عدداً كبيراً من ( المناديب) ناقلي الأخبار و حملة البلفونات صغار في السن لا يملكون الحد الأدنى من الثقافة، وهم عنصر التوتير واستفزاز الساحة الفلسطينية لا ينقلون إلا السيئة ويتجاوزون الحسنة.

- أما نحن النواب المحاصرين الممنوعين من أداء واجبنا وفق تعليمات رسمية يكفي أن أقول بكل الأسف لقد منعنا من عقد مؤتمر صحفي لاستنكار الاعتداء على النائب زيدان يوم 21-9 في ساحة المجلس التشريعي فاضطررنا لعقده في الشارع العام.

- بل أكثر من ذلك ولتسمعني برلمانات الكون في الكرة الأرضية لقد حاصر رجال المخابرات مكاتب النواب الإسلاميين في رام الله ، ولم يسمحوا لنا بدخولها إلا بعد إبراز هوياتنا الخاصة ، ولقد تم اعتقال كافة مرافقي النواب حتى الركاب العاديين الذين كانوا مع النواب فلم نر ولم نسمع تعليقاً أو تعقيباً من أي جهة أمنية أو رسمية .

- ورغم ذلك فنحن مصرون على مواصلة رسالتنا حتى لو غضب من غضب وحتى لو غضب الناس أجمعون، وفي مقدمة الرسالة توعية الناس بما يجري حولهم وتحقيق المصالحة والقفز على الجراح لأن هناك ما هو أهم من ذلك كله ..إنه الوطن والمواطن ..

- لقد دفعنا نحن النواب الإسلاميين ثمناً غالياً مقابل الكلمة ، ولا يوجد فينا استثناء ، وقد تم اعتقال كافة النواب حتى النساء فإن كنا قد منعنا من أداء واجبنا تجاه إنساننا الفلسطيني فليس أقل من إظهار الحق وكشف الزيف ، وهذا جزء من رسالتنا التي لن نتركها ولن نتخلى عنها حتى نسلم الروح إلى بارئها .

- (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم .. )

ملفات أخرى متعلفة