إقرأ المزيد <


عن المفاوضات وعوامل القوَّة

عزت الرشق
خميس ٠٣ ٠٤ / ٢٠١٤
سؤال: الأحداث العربية متسارعةٌ عاصفة.. فهل الوقت مناسبٌ للحديث عن مسار ومآلات المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية اليوم؟

جواب: نعم. ولعلّ أبسط الأسباب الموجبة للحديث عن المفاوضات الآن، هو أن "إطار كيري" المنتظر وبمنطق الفكر السياسي لن يولد في بيئة نموذجية هادئة، بل يحتاج حتى يمرّ ظروفاً استثنائية للغاية؛ تجبر الطرف الفلسطيني –الأضعف- على التفكير ألف مرَّة قبل أن يقول "لا"، وتوسّع رقعة الضغط على الدول التي من المتوقع أن ترفض الاتفاق، وتوجّه أكثر تلك القوى المؤيّدة له، وتستغلّ كل الظروف اللاإنسانية التي يعيشها الفلسطيني من غزّة المحاصرة جنوباً إلى مخيم اليرموك شمالاً، لخلق حاضنة شعبية لاتفاق كارثي جديد.

مسار مفاوضات .. منذ أن انطلقت المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وبين الاحتلال الصهيوني في أكتوبر 1991 بمدريد وبعدها في أيلول (سبتمبر) 1993م بأوسلو، ومسلسل التنازلات عن الحقوق والثوابت الوطنية في تصاعد خطير، ومع مرور الوقت وتعثّر هذا المسار بين الفينة والأخرى، يمضي الاحتلال في تنفيذ مخططاته على الأرض في تسارع محموم غير مكترث باتفاقيات ولا مواثيق دولية، مستغلاً في ذلك انحياز الوسيط والراعي الأمريكي والصمت الدولي وتخلّي المفاوض الفلسطيني عن مكامن القوّة وعناصر الضغط. وفي كل مسار من مسارات التفاوض مع الاحتلال التي تتم تحت مسمّيات وعناوين شتى، ولكنَّ المضمون واحد هو تصفية القضية الفلسطينية؛ فبدءاً من أوسلو واتفاقَي القاهرة وطابا، فاتفاقَي واي ريفر 1و2، ومروراً بتقرير ميتشل وخارطة الطريق ومؤتمر أنابوليس، وصولاً إلى خطّة الإطار التي يعدّها جون كيري؛ ففي كل هذه المحطات التفاوضية كانت السّمة الغالبة فيها:

1. قبول المفاوض الفلسطيني العودة إلى المفاوضات مع استمرار الاستيطان والتهويد وجرائم الاحتلال في تهجير شعبنا وحصاره وانتهاكاته ضد الأسرى. 2. استغلال الاحتلال مسار المفاوضات لتسريع وتيرة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتنفيذ المزيد من المشاريع لفرض أمر واقع.

3. استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال والتزام الجانب الفلسطيني بواجباته في حماية أمن الاحتلال ومحاربة المقاومة وملاحقة رجالاتها.

4. الرَّاعي الأمريكي للمفاوضات غير نزيه ومنحاز للاحتلال وأجنداته ممّا يشكّل عامل ضغط أكبر على المفاوض الفلسطيني.

5. ازدواجية المعايير لدى الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي في التسوية بين الضحيّة والجلاّد، وعدم ممارستهم الضغط اللازم على الاحتلال الصهيوني الذي يعدُّ نفسه خارج إطار المحاسبة والمعاقبة.

6. وصول المفاوضات في كلّ محطاتها إلى طريق مسدود وفشل ذريع، وعدم تحقيق المفاوض الفلسطيني أيّ تقدّم يُذكر يلبّي فيه أدنى طموحات شعبه، وفي المقابل يرفع الاحتلال من وتيرة مطالباته ويصعّد من ضغوطه وفي الوقت نفسه يحقّق المكاسب على الأرض.

7 .غياب الإجماع الوطني الحاضن والداعم لخيار المفاوضات مع الاحتلال ممّا يجعلها تغريداً خارج السرب وعملاً مرفوضاً ولا تلزم نتائجه وما تتمخَّض عنه جماهير شعبنا الفلسطيني وقواه الحيّة.

مشهد ما قبل مفاوضات خطّة "كيري" تعدّ "خطّة الإطار" التي يحملها وزير الخارجية الأمريكي هي آخر إبداعات الإدارة الأمريكية في رعاية وإدارة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية،

وفي حقيقتها لا تعدو كونها بقايا مخلّفات خطط من سبقوه من وزراء خارجية، تمّ البناء عليها أو إعادة تدويرها وصياغتها لا أكثر، ولا تحمل في مضمونها شيئاً جديداً سوى المزيد من تكريس الانحياز لمخططات الاحتلال وأهدافه التوسعية وفرض أمر الواقع والضغط على الطرف الفلسطيني للقبول به.

ولعل المشهد الأبرز لهذه الخطّة بعد أن شارفت مهلة تسعة أشهر على الانقضاء؛ والتي قلنا وقتها: "لن يكون مآلها إلاّ الإجهاض أو مولوداً غير شرعيّ يرفضه شعبنا... وهذا مصيرٌ حتميٌّ لكل مشروع يُؤسَّس خارج الإجماع الوطني"...

هذا المشهد تختصره المواقف التالية: -فشل المفاوضات يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية ستسحب يدها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هكذا يلمح كيري. -الاعتراف بيهودية الدولة ثم نناقش ما تريدون، هذا هو الخط الأحمر الإسرائيلي. -لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات، يقول الطرف الفلسطيني.!

إطار خطّة "كيري"! نطلُّ على المنشور من أفكار كيري ما سرّب منها ويتداول إعلامياً، فحتّى اللّحظة ينفي الطرف الفلسطيني تسلّم المبادرة مكتوبة رسمياً، فنشعر من خلال التسمية "إطار" أنَّ الكلام يدور عن بحث قضايا الحل النهائي، وتأجيل الحديث في تفاصيلها إلى وقت لاحق. كيري عرف أنَّ الشيطان يكمن في التفاصيل فقرَّر تأجيل التفاصيل، إلى ما بعد الاتفاق على الإطار!

الإطار سيكون مقبولاً للجانبين، عبارات فضفاضة، ومصطلحات حمّالة أوجه؛ لذلك سيكون سهلاً على الطرفين القبول بها، وفي المرحلة التالية سيبدأ تنفيذ الالتزامات، وهنا تفرض كل التفاصيل الشيطانية نفسها، وسنّة التاريخ لا تسمح للطرف الأضعف –بالمعطيات المادّية- أن يفسر المُبهم بما يتناسب مع مصلحته. (إسرائيل) آنذاك ستفرض التفسيرات التي تريدها واقعاً دون ضغوط من الراعي الأمريكي المنحاز، الذي لم ولن يثق به الشعب الفلسطيني بعد أن جرّبه راعياً للمفاوضات على مدار أكثر من عشرين عاماً مضت، ولم يجنِ غير الإحباط وخيبة الأمل، وهو يرى غول الاستيطان يلتهم أرضه وآلة القتل الإسرائيلية مسلطة عليه، ومقدساته تُنهب، وشبابه في المعتقلات، ومقاومته مهدّدة، وقدسه تهوّد.

دولة الاحتلال الإسرائيلي دخلت لقاءات الإطار، وخطّها الأحمر هو ضرورة الاعتراف الفلسطيني بيهودية (إسرائيل)، ما يعني مصيراً أسود ينتظر الفلسطينيين من أبناء الأرض المحتلة عام 1948م، ويعني أنَّ المقامرة التي شملت الفلسطينيين في دول الشتات اتّسعت لتشمل فلسطينيي الـ48، وستعزّز وجود الكيان الصهيوني كدولة دينية احتلّت الأرض وسلبت المقدسات، ثمَّ مارست التطهير العرقي، وفي الختام حصلت على صكّ الغفران.

ملفات أخرى متعلفة