إقرأ المزيد <


أول كتيبة مالية صهيونية

توفيق أبو شومر
أربعاء ٠٢ ٠٤ / ٢٠١٤
اعتاد كثيرٌ من العرب والفلسطينيين أن يُعرِّفوا المناضلين بأنهم السياسيون الذين يُضحون بأرواحهم في سبيل أوطانهم، وهم أيضًا كلُّ مَن يُسجنون في سجون القهر والاحتلال فقط، ولم يُطوِّر كثيرٌ منهم مفهوم النضال، ليشمل النضال الاقتصادي، والمالي، والثقافي.
وليس من قبيل المبالغة أن نقول: إن النضال الاقتصادي صار اليوم جوهرَ الصراع في العالم، وصار تقدُّم الشعوب يُقاس بهذا الفهم.

إن بطولة العصر هي بطولة اقتصادية، فلم تعد مقاييس البطولات هي عددُ الجيوش والعتاد، وموقع ومساحة البلدان وثرواتها الطبيعية، بل أصبحت البطولاتُ إنشاءَ المؤسساتِ الاقتصادية والمعلوماتية والثقافية، وتطوير الجامعات وتعزيز مراكز البحوث والدراسات بالكفاءات، وقد أدركت دول العالم هذه الحقيقة، فنصبت الشباك لرؤوس الأموال، واستقطبتْ وشجعتْ المغامرين والطامحين لتأسيس الشركات، وتسجيل براءات الاختراعات.
وخير من أدرك هذا الدور في بناء الأوطان هم اليهود، الذين استعملوا المال سلاحًا فعالاً في كل الأوقات، ويعتبر الاستعمال اليهودي للمال أكثر كفاءة من استعمالهم للسلاح، وظلَّ رهانُهم الاستراتيجي على رؤوس الأموال هو الرهان المُربح.

وهم في مراحل التحول التاريخي زجّوا بسلاح المال، واستخدموه بكفاءة عالية، ففي كل مؤتمر صهيوني كانت البطولة لأحد أصحاب رؤوس الأموال أو للمشاريع المالية.
فقد افتتح (تسفي هيرمان شابيرا) في المؤتمر الصهيوني الخامس 1901م صندوق هاكيرن هاكيميت، وكان هذا الصندوق هو أول كتيبة مالية صهيونية، بالإضافة إلى الصندوق الأزرق الذي يوضع في واجهات المنازل للتبرع الشخصي.

ومن مهام الصندوق القومي شراء الأرض، لتصبح ملكًا أبديًا لـ(إسرائيل)، تؤجر فقط للأفراد، ولا يحق لهم بالتالي بيعها أو رهنها!

وفي عام 1920 م أنشئ صندوقٌ آخر، أو لواء إسرائيلي مالي جديد، هو (كيرن هايسود) ومهمة هذا الصندوق زراعة الأراضي والإشراف على التسويق والإنتاج، ويعتبر هذا الصندوق بمثابة راجمات صاروخية في ذلك العصر، بل هو أشد فتكًا!

ولم يكتفِ الصهاينة بذلك، بل إنهم نجحوا في توظيف الأسر اليهودية الغنية، كأسرة (روتشلد)، فاستطاعوا بواسطتها تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وثقافية، لا تُعدُّ ولا تُحصى.

وللعلم فقط, فقد ظهرت أسرة روتشلد في القرن السادس عشر في مدينة فرانكفورت الألمانية، وكان عميدُ الأسرة هو مائير روتشلد، الذي حصل على ثروةٍ هائلة بسبب الاتجار بالعملات، عقب الثورة الفرنسية، ولقي دعمًا من كل اليهود في أنحاء العالم, ولم يُحاربه أهلُه وعشيرته، ويُجبروه على الهروب - كما يحدث عند العرب – لهذا استطاع أبناؤه الخمسة أن يشكلوا "لوبي رأسمالي" في كل أوروبا، وسرعان ما حولوا المال إلى سلطات سياسية واجتماعية واقتصادية، وتلك غاية الأذكياء، وهكذا وظفوا المال لدخول السياسة ومراكز القيادة، فوصلوا إلى مجالس النواب.

وكمثال على نجاحهم في تحويل النقد من معادن وأوراق إلى نفوذ وسلطان، أن موّل آل روتشلد شراء بريطانيا العظمى لأسهم قناة السويس، وفق خطة مدبرة، وموّلوا كذلك عمليات الاستيطان في فلسطين في أواخر القرن الماضي.

ولم تستثمر إسرائيلُ أموالَ الداعمين في بناء المؤسسات والجيش فقط، بل استثمرت الأسر اليهودية الثرية في البنية الثقافية والإعلامية، وحوَّلتها إلى مؤسساتٍ وشركاتٍ ربحية تُعد من أهم مصادر الدخل القومي في إسرائيل، فالصحف الإسرائيلية الثلاث، معاريف ويديعوت، وهآرتس، كانت تملكها ثلاث عائلات: موزس، ونمرودي، وشوكن.

وآخر أخبار الأسر والجمعيات اليهودية المناضلة بالأموال لدعم (إسرائيل) ما نشرته صحف (إسرائيل)، يوم 19/3/2014:
" أعلنت مؤسسة عائلة (ماندل) اليهودية عن إنشاء أكبر متحف للثقافة والآثار اليهودية في الشرق الأوسط على مساحة قدرها 315000 متر مربع، في جبل المتاحف في القدس، وستشتري هذه المؤسسة لفائف البحر الميت، ومن المتوقع أن يضم المتحفُ مليوني قطعة أثرية، وغاية المشروع تعزيز ثقافة (إسرائيل) في أرض الميعاد منذ عشرة آلاف عام!!

ومؤسسة عائلة ماندل اليهودية الأمريكية، يملكها الإخوة الثلاثة، جاك، وجوزيف، ومورتون ماندل، ومقرها في كليفلاند أوهايو، وهي متخصصة في برامج القيادة والتعليم اليهودي.
لم نستفد نحن الفلسطينيين والعرب من هذه التجارب، واقتصرت جهودُ معظم المحسنين وأصحاب رؤوس الأموال، العرب والفلسطينيين، على (دعم البطون) وتعزيز مخزونات الأمعاء من الغذاء والكساء، وليس دعم العقول وتعزيز مخزون الأفكار والثقافات، وتسخير المال لبناء الأوطان وإبراز الكفاءات.

ولا يجب علينا أن نغفل بعض المناضلين الفلسطينيين والعرب، ممن خصصوا الأموال لدعم الثقافة والعلوم في فلسطين، ومنهم السيد عبد المحسن القطان، المؤسس لمركز ثقافة الطفل في فلسطين، وكذلك السيد حمَّاد الحرازين الذي يتولى إنشاء المباني الجامعية ومدارس المتفوقين في فلسطين، فهؤلاء يجب أن نُعزِّز جهودهم الفردية ببرامج وطنية مدروسة وواعية, لاجتذاب غيرهم من أصحاب رؤوس المال وإدماجهم في المشاريع الوطنية، ولا يتسنى لنا ذلك إلا بتسهيل إجراءات استثماراتهم، وإعفائها من البيروقراطية المكتبية، وإشراكهم في صنع القرارات السياسية والوطنية، لأن أصحاب رؤوس الأموال هم كتيبتنا المناضلة الأولى في عالم الألفية الثالثة.

ملفات أخرى متعلفة