إقرأ المزيد <


حماس وحكاية عودة الابن الضال (2-2)

د. محسن صالح
أحد ١٦ ٠٣ / ٢٠١٤
إن جوهر قضية فلسطين هو "الحرية والتحرير"، وتحقيق إرادة الشعب الفلسطيني على أرضه، وتحرره من الاحتلال، ولا ينبغي لأحد أن يتوقع أن تقف القوى العاملة لفلسطين مع قوى تعادي إرادة شعوبها.

وبشكل عام فإن الحليف الاستراتيجي الحقيقي لفلسطين كان الشعوب وليس الأنظمة، والشعوب تبقى والأنظمة تزول وتتبدل. والذي يريد أن يُحرر الأرض عليه أن يُحرر الإنسان أولاً.

أما لماذا سكتت حماس عن الأنظمة التي تستضيفها وعن ممارساتها، فقد كان ذلك انسجامًا مع عدم تدخلها في الشأن الداخلي، وعدم وجود ثورة شعبية أصلاً.

أما عندما حدثت الثورة وأصبح من المحتمل أن تستخدم كغطاء لشرعنة النظام وسلوكه الأمني، فقد اضطرت لاتخاذ القرار، انحيازًا لإرادة الشعب، ولكن دون التدخل في الشأن الداخلي.

ولم يكن بإمكان حماس أن تعمل لفلسطين من خارج كوكب الأرض. وكانت الواقعية و فقه الأولويات يقتضيان التعامل مع البيئة العربية المتداخلة والمعقدة المحيطة بفلسطين المحتلة، من خلال البحث عن نقاط التقاطع والاتفاق فيما يخدم قضية فلسطين.

ثم إن حماس حافظت على استقلاليتها، ولم تُخفِ هويتها أو تخجل من مشروعها الإسلامي والوطني في أي لحظة، ولم تتردد في نصح الأنظمة والاتجاهات المختلفة عندما كان يتاح لها المجال أو الفرصة لذلك.

***
من جهة أخرى، سعت محاولات تشويه حماس وشيطنتها، والتي شاركت فيها وسائل إعلامية مؤثرة مصرية وخليجية وتابعة للسلطة في رام الله (محسوبة على محور "الاعتدال")، إلى تقديم حماس كطرف يصارع من أجل السلطة، ويتدخل في الشأن الداخلي المصري ويعبث في أمن مصر، ويعطل المصالحة، ويقمع المواطنين في غزة، بل ويحمي الحدود مع الكيان الإسرائيلي من خلال منع عمليات المقاومة.

وبالتالي فإنه يجب "تأديب هذا الابن الضال"، وعليه أن يدخل في "بيت الطاعة" بقيادة أبي مازن، وأن يسير في المسار الذي اختطته لنفسها دول "الاعتدال" العربي، حتى تتحقق له "الهداية".

ولذلك قام هذا المعسكر بتبرير الحصار العربي لقطاع غزة، وتبرير تدمير الأنفاق والخنق الممنهج للقطاع، وتبرير التماهي مع الحصار الإسرائيلي للقطاع والتساوق مع الأجندة الإسرائيلية في إسقاط الحكومة التي تقودها حماس، وكأنه فعل وطني قومي لحماية أمن مصر، وتبرير المعاناة الهائلة التي يتسببون بها لنحو مليون و700 ألف فلسطيني، وحرمان القطاع من احتياجاته الأساسية وحرية حركة أبنائه، باعتبار ذلك مجرد إجراءات احترازية.

والذين لا يكفون عن تقديم لوائح الاتهام ضد حماس لم يقدموا دليلاً واحدًا جادًا على "عبث" حماس في أمن مصر، لكنهم كانوا يتنقلون من تهمة إلى أخرى، ومن إشاعة أو كذبة إلى التي تليها، دونما تحقُّق أو إثبات.

فلم يكن المطلوب هو الأدلة، وإنما شحن الإنسان العربي بصور سوداوية متتالية عن حماس والإخوان، لتبرير كافة إجراءات الحصار والقتل والإسقاط والتركيع التي تقوم بها الأنظمة وأجهزتها العسكرية والأمنية، بالتوافق مع الأجندة الإسرائيلية الأمريكية في المنطقة.

وفي هذا السياق، فقد كان الحكم الذي أصدرته محكمة القضايا المستعجلة والقاضي بحظر أنشطة حماس في مصر ومصادرة ممتلكاتها، نموذجًا بئيسًا ومسيئًا للقضاء المصري ولقادة الانقلاب في مصر، خصوصًا إذا علمنا أن المحكمة هي غير ذات اختصاص بهذا الأمر، وأن الأدلة المقدمة لا تعدو عن كونها تقارير إعلامية تحريضية ملفقة.

أولئك الذين يبيعون لحماس دروسًا في الوطنية، لا يعلنون للناس أن جوهر عملية الضغط عليها يقوم على أساس قبول حماس شروط الرباعية الدولية، وأولها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي, وثانيها وقف المقاومة أو "نبذ الإرهاب"، وثالثها الالتزام باتفاقات أوسلو وما تلاها من التزامات تجاه الكيان الإسرائيلي.

أي أنهم منشغلون بجر حماس إلى مسار التسوية السلمية وإلى مربع التنازل عن الثوابت الفلسطينية، دون أن يتحدثوا هم أنفسهم عن خروجهم من مستنقع اتفاقيات أوسلو، وما جرته على قضية فلسطين من ويلات.

وأولئك الذين يتحدثون عن "خروج" حماس عن الشرعية الفلسطينية، وعن ضرورة عودة "الابن الضال" إلى أحضانها يحاولون إغماض أعينهم وأعين الجماهير عن الأسلوب الانتقائي الكيفي الذي يستخدمونه في تعريف الشرعية.

فكيف تخرج حماس عن الشرعية وهي الجهة التي فازت بأغلبية ساحقة بها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني؟ ولماذا يقوم أبو مازن ومؤيدوه في فتح منذ نحو سبع سنوات بتعطيل عمل المجلس التشريعي؟ ولماذا لم تعد إليه لأخذ الشرعية لحكوماتها في رام الله منذ 2007 وحتى الآن؟.

ولماذا أيضا تواصل الجهة نفسها احتكار السيطرة على منظمة التحرير، وتعطيل أو إضعاف مؤسساتها التمثيلية والشعبية والتنفيذية؟ وإذا كانت حماس هي التي تقود الحكومة، وتملك الأغلبية التشريعية، فما حاجتها لأن تقوم بـ"الانقلاب" على نفسها؟.

يساوي بعض من يعزف على حكاية "الابن الضال" بين مطاردة السلطة في رام الله لقوى المقاومة وتنسيقها الأمني مع الجانب الإسرائيلي وبين منع حماس بعض الفصائل الفلسطينية من إطلاق صواريخها على الجانب الإسرائيلي، ويدَّعون أن حماس "تحمي الحدود الإسرائيلية".

ويخلط هؤلاء عن عمد بين منظومة قائمة في جوهرها على الالتزام بمشروع التسوية وقمع قوى المقاومة، وبين منظومة قائمة في جوهرها على المقاومة وترعى بناها التحتية، وتُطوِّر أسلحتها، وتتيح حرية العمل للفصائل المسلحة، وأثبتت جدارتها في الدفاع عن قطاع غزة، وفي ضرب العمق الإسرائيلي، غير أنها تحاول تنسيق العمل المقاوم وتعزيز صمود القطاع، وتوفير شروط أفضل للعملية التنموية في ظل الحصار.

ولماذا يكافئُ الكيان الصهيوني حماس على حماية حدوده بالحصار الخانق وبالحملات العسكرية، وباغتيال القادة وتدمير البنى التحتية والمزروعات والمنازل؟.

***
نعود لنقول إن السر في الحملة على حماس أنها رفضت أن تكون تحت جناح أحد أو أداة من أدواته، أما تحديد الجهة التي ضلَّت طريقها فينبغي أن يكون على أساس:
- مدى التزامها بمبادئها وقيمها وعدم تنازلها عن الثوابت.
- مدى التصاقها بالجماهير وهمومهم وتطلعاتهم.
- مدى أدائها على الأرض في خدمة فلسطين.

بالتأكيد فإن حماس، مثل أي جهد بشري، لها أخطاؤها وتقصيراتها وعناصر ضعفها، ولكنْ هناك فرق كبير بين أن تخطئ أو تتعثر وأنت تسير في طريق صحيح، وبين أن تصيب أحيانًا وأنت تسير في طريق خاطئ.

وأنت عندما تسلك سلوكًا واقعيًا (وليس عدميًا) في بيئة معادية ومعقدة، فقد تضطر لاختيار أخف الضررين، وقد تتوسع في دوائر المباح، كما قد تبحث عن أفضل البيئات المناسبة للعمل دون أن تجد بيئة مثالية, لكن الأهم أن يبقى اتجاه البوصلة صحيحًا.

ملفات أخرى متعلفة