إقرأ المزيد <


حماس وحكاية عودة الابن الضال (1-2)

د. محسن صالح
سبت ١٥ ٠٣ / ٢٠١٤
الوضع الصعب الذي تعيشه حركة "حماس" بعد أن تركت سوريا، وبعد الانقلاب العسكري في مصر، جعل بعض أصوات الناقدين والشامتين تتعالى متهمة حماس بانتهاج سياسات خاطئة أدت إلى عزلتها وضعفها، ومطالبة (حسبما وصفه بعضهم) هذا "الابن الضال" إما بالعودة إلى حضن "المقاومة والممانعة" المتمثل في سوريا وإيران، وإما بالعودة إلى حضن "الشرعية الفلسطينية" التي يقودها الرئيس عباس.

والطريف أنه بالرغم من أن مسار المقاومة والممانعة، ومسار الاعتدال والتسوية هما مساران متعارضان، إلا أننا نجد أصواتا محسوبة على الطرفين تنعى على هذا "الابن الضال" الطريق الذي يسلكه، وهي بذلك تعترف عمليًا باستقلالية حماس عنهما وأنها تنتمي لمدرسة ثالثة لا يسعد الطرفين صعودها.
***
هناك ثقافة منتشرة في منطقتنا العربية تميل إلى التسطيح والتبسيط، وتبني فهمها للآخر على أساس "إما معنا وإما علينا".

"اتفاق أصوات محسوبة على مساري المقاومة والممانعة، والاعتدال والتسوية على نقد حماس رغم تعارضهما، اعتراف عملي باستقلاليتها عنهما وأنها تنتمي لمدرسة ثالثة منفصلة عنهما".

وهناك ثقافة أخرى تبني مواقف الدول والأحزاب والحركات على أساس المصلحة والمنفعة فقط، ولا تضع بالًا لمعايير القيم والأخلاق والمبادئ. وربما كان جانب من هاتين الثقافتين مُحقا، بسبب ما يُلاحظ من انتشار السلوك السياسي القائم على الانتهازية والنفعية. غير أنه لا ينبغي وضع الجميع في سلة واحدة من المعايير والتعميمات.

والذين تعاملوا مع حماس على هذا الأساس، تعاملوا معها كحركة وظيفية تابعة إما للجيب الإيراني أو السوري أو القطري، بحسب ما تقتضيه المصلحة، ولم يتعاملوا معها كحركة تحرر وطني، ولا كحركة إسلامية لها مبادئها وأخلاقياتها ومرجعيتها.

والذين يُبَسطون الأمور ويشوهون الحقيقة لا ينظرون إلى المنظومة الفكرية التي تحكم حماس، ولا إلى قاعدتها الشعبية الواسعة، ولا إلى دورها الوطني والجهادي، ولا إلى شهدائها وأسراها.

ويرون في تقاطع العلاقات أو المصالح بين طرف وآخر دليل إدانة أو دليل تبعية، ولا يستطيعون أن يفرقوا بين خطين متوازيين متفقين في الاتجاه، وبين خطين بمسارين مختلفين تقاطعا في نقطة معينة ثم أكمل كلُّ منهما مساره في الاتجاه الذي حدَّده.

***
لم تكن حماس عندما حدثت الثورات والتغيرات في العالم العربي، تنتقل من حضن إلى حضن، ولم تكن ذلك الولد الضال الذي أساء الحسابات وأغضب أباه!! ولكنها كانت منسجمة مع نفسها ومع خطها الإسلامي والوطني والشعبي والتحرري. انحازت حماس إلى إرادة الشعوب وإلى حقها في التحرر وصناعة قرارها ونظامها السياسي.

لم تفرق حماس بين إرادة الشعب في مصر وبين إرادته في سوريا أو أي بلد آخر. وربما كانت هذه "خطيئتها الأولى" فقد كان مطلوبا منها في محور "المقاومة والممانعة" أن تقف إلى جانب الإرادة الشعبية في مصر وتونس، ولكن ليس إلى جانب هذه الإرادة في سوريا.

وكان مطلوبا منها في "محور الاعتدال" أن تقف إلى جانب الإرادة الشعبية في سوريا، ولكن ليس إلى جانب الإرادة الشعبية في مصر وتونس، غير أن طرفي الممانعة والاعتدال كلاهما لم يكونا يرغبان بهذه الإرادة الشعبية في اليمن، حتى لا يضيع نظام علي عبد الله صالح بالنسبة لمحور الاعتدال، وحتى لا تضيع مكاسب الحوثيين بالنسبة لمحور "الممانعة".

أما "الخطيئة الثانية" فهو انتماء حماس إلى ما يعرف بـ"الإسلام السياسي" الذي برز كمحرك للثورات (في البيئة العربية السُنيَّة)، كما برز كخيار أول للجماهير، وكنقيض للأنظمة الفاسدة والمستبدة، وهو ما جعل ما تبقى من أنظمة تبذل ما لديها من أموال هائلة، وآلات إعلامية قوية وواسعة التأثير في شيطنة "الإسلام السياسي" وتقديم صورة سوداوية عنه، وإدخال حماس في عملية التشويه الممنهج، باعتبارها جزءا من هذه المدرسة المنتمية إلى خط الإخوان المسلمين. وهو ما لقي بالتأكيد ترحيبا غربيا وإسرائيليا.

الذين يتحدثون عن "نفعية وانتهازية" حماس، يغمضون أعينهم عن حقيقة أنه عندما خرج آخر قيادات حماس من سوريا في أوائل سنة 2012، لم يكن الإخوان قد فازوا في الانتخابات في مصر، كما لم تكن الثورة قد أخذت شكلها الواسع في سوريا.

ولم يكن الحصار قد رُفع عن قطاع غزة، كما أن برنامج المصالحة الفلسطينية لم يكن منفذا على الأرض، فقد دفعت حماس ثمن مواقفها وانحيازها لخيارات الشعوب قبل أن تحصل على شيء من "المغانم".

وكان الثمن المادي الذي دفعته حماس بخروجها من سوريا كبيرا، فقد تشتتت قيادتها في قطر ومصر وتركيا ولبنان وغيرها، وتعقدت إمكانات إدارتها للعمل ومتابعته، وخسرت الجانب الأكبر من الدعم الإيراني، بينما عانت من غضب وبرود دول خليجية.

وبالتالي فإن الحديث عن الانتهازية والنفعية ليس في محله. وهي عندما خرجت من سوريا دفعت فاتورة رفضها أن يستخدم وجودها كغطاء للسلوك الأمني للنظام تجاه شعبه.

كما أنها لم تخرج خروج ناكر الجميل، فقد عملت قيادتها في الأشهر الأولى ليل نهار لمحاولة الوصول إلى حل سلمي داخلي، يجنب دخول السوريين في حرب أهلية ويجنب سوريا التدخل الخارجي.

ثم إن الجميل الذي حصلت عليه حماس في سوريا لم يكن جميل النظام فقط، الذي سمح لها بالعمل وحرية الحركة، وإنما جميل الشعب أيضا الذي احتضنها وأحبها ودعمها ووقف إلى جانبها، هذا بالإضافة إلى أن حماس أصرت على عدم التدخل في الشأن الداخلي السوري.

ثم إن من يدعم قضية فلسطين والقوى الوطنية والإسلامية العاملة لها إنما يقوم بواجبه، وعليه ألا يتوقع شراء ولاءات لمواقف وسياسات تعارضها هذه القوى.

ملفات أخرى متعلفة