إقرأ المزيد <


سيناريوهات اليوم التالي لتنفيذ المصالحة الفلسطينية (2-2)

د. محسن صالح
إثنين ٠٣ ٠٣ / ٢٠١٤
السيناريو الثالث- المصالحة المتدرجة:
يعترف هذا السيناريو بوجود صعوبات عملية تحتاج إلى مبادرات بناء ثقة جدية متبادلة بين فتح وحماس، وإلى احتمال وقوع عمليات تعطيل لمسار المصالحة الأصلي وحرفه عن مساره، لخدمة طرف دون آخر.

ولذلك ينبني هذا السيناريو على أساس أن يتم تنفيذ إجراءات المصالحة بشكل متدرج وسلس، بحيث تتوازى مع خطوات تسليم السلطة في القطاع خطوات في إطلاق الحريات والعمل السياسي في الضفة، وخطوات في مجالات بناء الثقة، وخطوات متزامنة في تفعيل منظمة التحرير، وفي إصلاح الأجهزة الأمنية في الضفة (وليس في القطاع فقط)، وأن يتم تفعيل دور "الإطار القيادي المؤقت" المشترك للفصائل، وألا تتم الانتخابات إلا بعد الاطمئنان إلى كافة إجراءات النزاهة والشفافية، وأن يكون أبناء الضفة والقطاع جاهزين تماماً لخوض هذا الاستحقاق، وأن يتزامن تشكيل المجلس التشريعي في الداخل مع تشكيل المجلس الوطني لمنظمة التحرير.

مناقشة السيناريوهات
يبدو السيناريو الأول مثالياً غير واقعي في ضوء التجربة الفلسطينية، وفي ضوء الواقع الحالي العربي والإسلامي والدولي، وهو أقرب إلى التمنيات منه إلى إمكانات التنفيذ على الأرض.

ويبدو السيناريو الثالث واقعياً، وأكثر مناسبة للحالة الفلسطينية، التي تحتاج أكثر ما تحتاج إلى برنامج بناء ثقة، وإلى خطوات عملية تعيد الوحدة الوطنية الفلسطينية إلى حالتها الصحية، قبل الدخول في استحقاقات كبرى كالانتخابات وغيرها.

ولكنه سيناريو يفتقر -في الوقت ذاته- إلى الضمانات، وسيتعرض إلى ضغوط شديدة من قبل خصوم إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وخصوم التيارات الإسلامية، وخصوم برنامج المقاومة.

أما السيناريو الثاني (حماس تدفع الثمن)، فيبدو -للأسف- أنه الأكثر واقعية في ظلّ الظروف السياسية الحالية، وفي ظل التركيبة القيادية لحركة فتح، وفي ظلّ التزاماتها تجاه (إسرائيل) وتجاه أمريكا ومسار التسوية، وفي ظلّ عقليتها الاستفرادية وخصومتها التاريخية مع حماس والإسلاميين.

وأيضا في ظلّ موجة عربية مضادة للثورات وحركات التغيير الإسلامية، وفي ظلّ ما يبدو أنه ضعف لحماس بعد خسارتها دعم محور الممانعة السابق (سوريا، إيران، حزب الله)، وبعد وقوع الانقلاب في مصر.

إنَّ ما قد يزيد من مخاوف تحقق هذا السيناريو هو سلوك الأجهزة الأمنية للسلطة في الضفة، ودخولها على خطّ فبركة الاتهامات ضدّ حماس في مصر والعالم العربي.

ثم إن محمود عباس عندما زار مصر أيَّد الانقلاب وصرَّح أن "الناس لم تعرف خطورة حماس إلا بعد سقوط الإخوان في مصر"، بل إن مصدراً رفيعاً في الوفد المرافق لعباس في زيارته لمصر، وصف ما حدث في مصر بأنه "معجزة إلهية"، وادعى أن أمريكا و(إسرائيل) دبّرتا صعود حماس للسلطة. (حسبما ورد في جريدة الحياة في 12/11/2013).

كما أن نشاطات محمد دحلان المدعومة بقوة من دولة خليجية، والذي تمّ الترحيب به بقوة أيضاً لدى سلطات الانقلاب في مصر، لا تشي بمستقبل هادئ ومستقر لقطاع غزة ولا لحماس وقوى المقاومة. ثم إن التزام عباس بمسار التسوية السلمية والمفاوضات يجعله في وضع يحتاج فيه إلى بسط جناحه على قطاع غزة وعلى حماس، لتأكيد شرعيته وتمثيله كافة الشعب الفلسطيني، ولكن دون المساس باستحقاقات التسوية، ودون إغضاب الطرف الإسرائيلي والأمريكي، وهو ما يعني عملياً تعطيل أيّ إصلاحات حقيقية للبيت الفلسطيني أو إشراك حماس بفاعلية في مؤسسات المنظمة والسلطة.

استحقاقات المصالحة الجادة
إنّ الحديث الجاد عن بدء إجراءات المصالحة وتشكيل الحكومة الفلسطينية، سعياً لإجراء الانتخابات خلال ستة أشهر، يحتاج إلى عدد من الضمانات الأساسية لإنجاح التجربة، وليس لإدخال المشروع الوطني الفلسطيني في مأزق جديد، وجولة أخرى من الصراع الداخلي المدمر. وأبرز هذه الضمانات:

1. تفعيل دور "الإطار القيادي المؤقت" المشترك للفصائل الفلسطينية، بحيث يكون دوره مركزياً وحاسماً في تنفيذ مسار المصالحة.

2. تنفيذ مجموعة إجراءات لبناء الثقة على الأرض في الضفة والقطاع، بما يضمن إطلاق الحريات، والإفراج عن السجناء السياسيين، وحرية العمل السياسي، ووقف الملاحقات الأمنية، وحرية تشكيل الجمعيات والمؤسسات، وإيجاد آليات ضامنة للعمل في السلطة ومؤسساتها وفق معايير الكفاءة والاستحقاق.

3. عدم المساس بالبنى التحتية للمقاومة في قطاع غزة، واعتبار ذلك مكسباً وطنياً فلسطينياً، وعدم السماح بعودة الفلتان الأمني إلى قطاع غزة.

4. تهيئة البيئة المناسبة لعمل انتخابات حرة نزيهة في الضفة (بما فيها القدس) والقطاع، وبعد أن يكون الجميع جاهزا للتعامل مع هذا الاستحقاق، وبحيث تكون بشكل متزامن مع إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني.

5. السير بشكل متوازٍ في عملية الإعداد للانتخابات مع عمليات إعادة تفعيل منظمة التحرير وإصلاح الأجهزة الأمنية والمصالحة المجتمعية.

6. ألا تحدث أيّ اتفاقات من قبل قيادة فتح في مسار التسوية مع الجانب الإسرائيلي بما ينعكس سلباً على عملية المصالحة برمتها.

7. أن يُعد أيّ خرق للنقاط السابقة خرقاً لمسار المصالحة بما يستدعي وقف الانتخابات، وإعادة النظر في الحكومة المؤقتة، وإعادة تفعيل المجلس التشريعي الذي تمّ تعطيله.

ملفات أخرى متعلفة