إقرأ المزيد <


سيناريوهات اليوم التالي لتنفيذ المصالحة الفلسطينية (1)

د. محسن صالح
سبت ٠١ ٠٣ / ٢٠١٤
"المصالحة وإنهاء الانقسام" ثلاث كلمات لا يكاد يختلف عليها فلسطينيان؛ رغبة من الجميع في استكمال عناصر القوة للمشروع الوطني الفلسطيني، وإنهاء الاحتلال.

المصالحة مصلحة فتحاوية، إذ ترغب فتح في استعادة دورها وبسط نفوذها على مؤسسات ومناطق وجود الشعب الفلسطيني، وهي مصلحة حمساوية، إذ ترغب حماس في التخفيف من أثقال الحصار عن قطاع غزة، واستعادة حيويتها في الضفة الغربية، والمشاركة الفاعلة في مؤسسات المنظمة والسلطة، وهي مصلحة للفصائل الفلسطينية، ولعموم الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

ستكون هناك أجواء فرحة غامرة بتشكيل الحكومة الفلسطينية، ولكن بعد أن تنتهي "الأفراح والليالي الملاح"، وتبدأ الحكومة التي يقودها أبو مازن أو رامي الحمد لله، أو غيرهما العمل على الأرض، "وتذهب السكرة وتأتي الفكرة"، كيف سيكون الوضع في اليوم التالي؟

ماذا سيحدث بعد أن تنتهي شرعية حكومة حماس، ويبقى المجلس التشريعي الذي تملك فيه حماس الأغلبية معطلاً إلى حين إجراء الانتخابات، وبعد أن تتركز السلطة الفعلية مرة أخرى في يد أبي مازن الذي يدير فتح والسلطة والمنظمة؟، هل سيعتمد تحقيق بنود المصالحة الخمسة على "النوايا الحسنة" لأبي مازن دون ضمانات تلزمه أو تجبره على التنفيذ؟

سيناريوهات محتملة
نحن أمام عدد من السيناريوهات المحتملة لما يمكن أن يحصل على الأرض بعد تشكيل الحكومة الفلسطينية العتيدة، نلخص أبرزها في ثلاثة احتمالات:

الأول: كلٌّ يكسب
يفترض هذا (السيناريو) أن "فتح" و"حماس" صادقتان في تطبيق اتفاق المصالحة، وأن حماس ستتخلى عن السلطة في قطاع غزة بسلاسة، وتسلّم معابر القطاع للحرس الرئاسي، وتسمح بعودة الآلاف من المحسوبين على فتح إلى وظائفهم الإدارية والأمنية، وفتح في المقابل لن تستغل الوضع، بل ستبادر بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية، وتطلق الحريات، وتسمح لحماس وباقي الفصائل بحرية العمل السياسي.
ولن تتعرض فتح للمقاومة وفصائلها وبناها التحتية في القطاع، وستوجد بيئة مناسبة لانتخابات حرة نزيهة، وستتوالى خطواتها العملية في إعادة بناء منظمة التحرير وتفعيل مؤسساتها، عبر برنامج عمل وطني تشترك فيه الفصائل كافة، مع مراعاة أحجامها وأوزانها السياسية والفعلية على الأرض.
ولن تخضع قيادة المنظمة والسلطة ولا فتح لأي ضغوط يُمارسها عليها الكيان الصهيوني أو أمريكا أو نظام الحكم في مصر، بشأن ضرب حماس أو تهميشها أو تعطيل مسارات المصالحة، وسيسلك الطرفان سلوكاً مسؤولاً يراعي المصالح العليا للشعب الفلسطيني، ويديران الخلافات بطريقة حضارية ومؤسسية، من خلال "الإطار القيادي المؤقت" المتفق عليه، وستتوقف الحملات الإعلامية والتحريضية بين الطرفين.

الثاني: حماس تدفع الثمن
يفترض هذا (السيناريو) أنه بغض النظر عن بنود اتفاق المصالحة، وما رافقه من احتفالات وطمأنات إن حماس سلَّمت رقبتها في الضفة وغزة لفتح ولأنصار مسار التسوية، دون ضمانات فعلية، وأنها ستدفع ثمن ذلك بما يتوافق مع المسار الذي اختطه أبو مازن وقيادة فتح والسلطة.

يفترض هذا (السيناريو) أن حماس ستتنازل عن شرعية حكومتها في غزة، وستخسر بذلك أيّ دعم عربي أو إسلامي أو دولي رسمي كان يتعامل معها على هذا الأساس، مثل الدعم القطري أو الدعم التركي، وأن مسؤوليها لن يكون بإمكانهم التحرك السياسي بسهولة، بعد أن رجعوا إلى كونهم مجرد حزب في بيئة سياسية تديرها وتتحكم بها حركة فتح.

ستعود حركة فتح إلى قطاع غزة، وتتولى السلطة، وستدير المعابر، وسيعود أكثر من خمسين ألفاً من مؤيديها إلى الأجهزة الأمنية والإدارية في القطاع، وسيبدأ برنامج إعادة "فتحنة" الوزارات والمؤسسات، وستزداد شعبية فتح بفضل تنسيق تخفيف الحصار بالتعاون مع الاحتلال والجانب المصري، اللذين سيرحبان بفتح ونهاية حكم حماس في القطاع دون أثمان تُذكر، بعد أن عجزت الحصارات والحروب عن ذلك.

وبعد أن ينتهي شهر العسل الذي تكون السلطة قد بدأته ببعض الإجراءات المطمئنة الشكلية إلى حين تمكنها من السيطرة، ستعود فتح وقياداتها إلى عقلية "الاستفراد" بقيادة الساحة، التي لم تُغيرها طوال 45 عاماً مضت.

وستتوافق بسهولة مع ضغوطات الاحتلال والضغوطات الأمريكية والمصرية والخليجية باتجاه تهميش حماس وقصقصة أجنحتها، وسيتناسب ذلك مع عقلية فتح ومع التزاماتها السياسية في اتفاقات (أوسلو) وسياقات التسوية السلمية، كما سيتناسب ذلك مع الموجة القاسية المرتدة التي تستهدف إنهاء الثورات العربية، وضرب التيار الإسلامي الذي يعرف بـ"تيار الإسلام السياسي"، وتُعد جماعة "الإخوان المسلمون" أبرز قواه المحركة، ولاشك أن حماس جزء فاعل في هذا التيار.

وإضافة إلى إدارة السلطة في القطاع سيتوافر لعشرات الآلاف من عناصر فتح السلاح الذي يحتاجون له، وسيكون من بينهم آلاف "الدحلانيين"، الذين لهم ثاراتهم وحساباتهم التي يريدون تصفيتها مع حماس، وسيسعون لتنفيذ أجندة الانقلابيين في مصر ضدّ حماس في القطاع.

ولاشك ستكون حملات التحريض جاهزة في إعلام فتحاوي وعربي ودولي يقف ضدّ حماس، وضدّ "الإسلام السياسي"، وستُختلق الذرائع لتشويه حماس وضربها، ما يؤدي إما إلى عزلها عن مجمل العملية السياسية الفلسطينية، أو مشاركتها في بيئة مسمومة غير مواتية، ما يعني عمليًّا إسقاطها وتهميشها.

وستجد حماس نفسها ضعيفة غير قادرة على الدفاع عن نفسها، ولا تسمح لها الظروف باستعادة الحكومة ولا تفعيل المجلس التشريعي، ولا القيام بحسم عسكري في القطاع، فالنظام الانقلابي في مصر والاحتلال سيقفان إلى جانب سلطة عباس، ولن يسمح لها هذه المرة بالسيطرة على القطاع من جديد، وقد يوفر غطاء لدخول قوات عربية "مصرية" لدعم ما تسميه "الشرعية" التي تقودها فتح في القطاع.

ولأن قيادة فتح والسلطة ملتزمتان بمسار التسوية وبوقف المقاومة؛ إن إجراءات تحجيم وإضعاف قوى المقاومة سوف تبدأ بشكل تدريجي متصاعد، بحجة احترام التزامات السلطة لاتفاقات (أوسلو).

أما وقد تمكَّن أبو مازن وفتح من السيطرة على القطاع؛ فإن عملية إصلاح منظمة التحرير والأجهزة الأمنية ستوضع على الرَّف إلى أجل غير مسمى، وستعود الأجهزة الأمنية للسلطة في الضفة _وتكون قد تمددت إلى قطاع غزة_ إلى سيرتها القديمة في مطاردة عناصر حماس والمقاومة.

وستطبخ الانتخابات على نار فتحاوية مناسبة، وستضيع احتجاجات حماس وصرخاتها في ضجيج الكثير من وسائل الإعلام العربي، الذي رأينا بأم أعيننا مدى كذبه وتشويهه الحقائق، خصوصاً في مصر، وضدّ التيار الإسلامي تحديداً.

باختصار: إن هذا (السيناريو) يقول لحماس وأنصارها: أنتم ضعفاء ومحاصرون ومضطرون إلى المصالحة، وعليكم أن تدفعوا الثمن، فالعمل السياسي قائم على موازين القوى واستغلال الفرص والمصالح، لا على حسن النوايا.

ملفات أخرى متعلفة