إقرأ المزيد <


ربيع اليرموك!!

خيري منصور
خميس ١٦ ٠١ / ٢٠١٤
إذا كانت مجزرة صبرا وشاتيلا فضيحة عصرنا حتى الأبد كما وصفها محمود درويش فإن ما يحدث الآن في مخيم اليرموك هو عورة عروبتنا حتى القيامة، فالفلسطيني الذي أخطأه رصاص الأعداء أصابه رصاص الجوع والوعود بالعودة عاد بالفعل لكن إلى مخيم آخر.

أما الأسماء التاريخية التي طالما زهونا بها كاليرموك وميسلون وعين جالوت وحطين فهي الآن أسماء مستعارة لهزائم وفضائح كأن الحاضر بكل عفنه قد فاض وتمدد نحو الماضي ليلوثه أيضا.

ماذا نسميهم؟ شهداء الجوع أم شهداء الربيع الأسود؟ أم هديتنا القومية لـ(إسرائيل) التي سوف تقول للعالم انظروا ماذا فعل العربي بالعربي قبل أن تسألوا ماذا فعلنا بأهل النقب أو مخيم جنين؟

لقد تراجعت أحلام اللاجئ الفلسطيني من العودة إلى البحث عن ملجأ آمن، ومن التحرير إلى علبة حليب أو قرص أسبرين، والأطفال الذين شاهدناهم في مخيم اليرموك أكلوا حتى الورق لكن عظامهم الناتئة التي تنذر بصوملة العالم العربي كله هي الخطاب البليغ الذي يتراجع أمامه كل خطاب إعلامي محشو حتى النخاع بشهادات الزور.

من حق الفلسطيني في هذا الهولوكوست القومي أن يعيد قراءة التاريخ من أوله ليعرف من كذب عليه ومن بنى بيتا من رخام بثمن خيمته.
ومن حقه أيضا أن يردد مع ذلك الشاعر الجريح.. ظلم ذوي القربى أشد مضاضة.

عشرات يموتون بفضل محاصيل هذا الربيع الذي لم يبق ورقة واحدة على شجرة ولم تسلم منه حتى أوراق التوت لهذا فالعورات تستغيث بمن يسترها دون جدوى.

لقد تحول هذا اللاجئ ذات يوم إلى ملجأ ومن لائذ إلى ملاذ، لكن عدد اللاجئين الفلسطينيين خرج من موسوعة جينس وكل الموسوعات لأن هناك أرقامًا تنافسه، فالأمة الآن كلها من اللاجئين سواء داخل الأوطان وفي عقر البيوت أو في المنافي عبر القارات الخمس، وقد يعثر رواد الفضاء ذات يوم على لاجئين من العرب في المريخ والزهرة وبلوتو!

من استطاع أن ينهي وجبة العشاء أو الغداء ويتجشأ وهو يتحسس كرشه بعد مشاهدة أمة تبحث عن نوى الزيتون في حاوية القمامة عليه أن يعترف بأن الفئران أكرم منه والأفاعي ارحم منه والضبع الذي يعيش على ما تبقى من الجيف أرأف منه.

كم أنفق العرب في هذا العصر من الثروات على غرائزهم وعلى حروبهم البسوسية وعلى أعدائهم أيضًا، بحيث لم يعد لديهم ما يطعمون به طفلًا فلسطينيًا ولد وعاش ومات في مخيم.

كم ثورة وكم انقلابٍ وكم حركة تصحيحية وصلت إلى السجادة الحمراء باسم دم أبيه ودم أمه وعرقه؟
اليرموك، ليس مخيمًا واحدًا بل هو اسم سلالة من المخيمات التي تحولت إلى عورات في الجغرافيا وفضائح أخلاقية في التاريخ.

هذا هو أضعف الإيمان في التعليق على ما رأينا، ولو كانت مساحة الحرية المتاحة في العالم العربي من الماء إلى الدم تكفي كاتبًا واحدًا.. أو حتى مقالة واحدة لقلنا ما يجب أن يقال على طريقة ذلك المختار الذي قال: هكذا عريضة تحتاج هكذا ختما!!

ملفات أخرى متعلفة