إقرأ المزيد <


غزة تغرق.. والفارس يقاوم

عماد الحديدي
إثنين ١٦ ١٢ / ٢٠١٣
ملحمة بطولية عاشتها غزة على مدار الخمسة أيام التي خلت، حيث اكتست شوارعها بالبياض، وجرت الأنهار في شوارعها، وغمرت المياه بعض بيوتها، ودمرت الرياح والأمطار الغزيرة العديد من بيوتها، وازدادت ظلمة الليل كحلة مع زيادة فترات انقطاع التيار الكهربي، وشح الوقود، وانعدام معدات الأعاصير والكوارث الطبيعية، فغرقت غزة، لترفع القناع عن وجه المحاصرين الحقيقيين لها، والذين لا ينامون ولا يفترون ولا يملون من التخطيط للنيل منها، وتفتيت عصبتها، وتأليب أهلها، ومحبيها، بل يتحالفون مع من عجز الشيطان نفسه أمام مكرهم وحيلهم، فلم تتحرك ضمائرهم بصرخات الثكالى ولا بكاء الأطفال ولا استغاثات المكلومين والمنكوبين، وصور البيوت الغارقة والشوارع المغمورة بالمياه تماماً لترتفع في بعضها علو مترين أو يزيد، ولم يجد أصحابها أو حتى المسعفون غير القوارب الصغيرة وسيلة للمواصلات بينهم، لينقذوهم وهم في الرمق الأخير، قبل الموت من الغرق المحقق.

إلاّ أن موت الضمير الإنساني لدى مَنْ يتشدقون ليل نهار بأنهم رمز هذا الشعب وقادته، وهم مَنْ يقومون بالإنفاق عليه من أموال الصدقات والتبرعات التي يتسولون بها باسم هذا الشعب المنكوب، فإن مات ضميرهم فإن ضمائر أبناء شعبهم حية فها هي غزة تخرج عن بكرة أبيها لتغيث المستغيثين وتمسح دمعهم وتحنو عليه، ومن بين هؤلاء المغيثين هو دولة رئيس الوزراء الفلسطيني ذلك الفارس الشاب الخارج من غيابات الجب والقادم من عصور العزة والكرامة، الذي لبس بزته واعتلى مركبته،وخرج ليكون بين أبناء شعبه يفترش معهم الأرض المبللة ويلتحف السماء الممطرة، فأينما حللت تجده وأينما نزلت تراه أمامك، وأينما سارعت لنجدة مستغيث رأيته راجعاً مطمئناً، حتى أن مرافقيه تعبوا من كثرة الجري وراءه فإن رأيته في شمال غزة، تراه في نفس الوقت في رفح وخانيونس، فهو كالبراق يتنقل فتطوى له الأرض، يدخل البيوت ويأكل مع أهلها ويلتحف غطاءهم البسيط البالي ولا يتركهم إلاّ بعد أن يرى الابتسامة على وجوههم والضحكات تخرج من أعماقهم، بفعله قبل كلامه، بدمه قبل دموعه، بزيه الدفاعي المدني قبل بدلته، يقود القارب الصغير "الحسكات" للتنقل بين البيوت الغارقة بالمياه، غير عابئ بمطر ولا برد ولا ثلج.

ومع هذا العمل المتواصل، تراه يدافع عن شعبه ووطنه فيرفع هاتفه ليهاتف أبناء الجلدة والعروبة والإسلام فيشرح المعاناة من أرض المعاناة، يُسمع صوت الأمطار الغزيرة واستغاثات المنكوبين لعلها تحرك ما بقي من قلوب "فنجان قهوة على الطريقة الروسية"، عذراً قارئي العزيز هذه مقولة اللواء محمود عوض ضمرة (أبو العوض) مساعد مستشار الرئيس محمود عباس لشؤون المحافظات موجودة على صفحات الفيس بوك بينما هو مستلق على الثلج وعار الصدر ويشرب فنجان قهوة، لعلها جاءت في موضعها وبدون تخطيط أو قصد، وقع نظري عليها الآن بينما أكتب مقالي هذا ولن أعلق عليها وسأترك لك قارئي العزيز التعليق لتفرق بين مسؤول ومسؤول).

أعود لذلك الرجل صاحب اللحية البيضاء الذي سبق شيبها عمره، إلى إسماعيل هنية، هذا الرجل الذي ستنقشه الذاكرة الفلسطينية في عقولها وستسطره الموسوعات التاريخية بأحرف من نور في صفحاتها، ولست أدري ماذا ستكتب عنه وماذا ستقرأ الأجيال القادمة عنه، ولكني على يقين بأن الرجل لن يطول عمره، وأن موعد اللقاء مع الصحب والرفاق قد اقترب، ودليلي على ذلك أنه يسابق عمره ويقلق أهله ويتعب أصحابه ومحبيه، فلا نوم ولا تعب ولا كل ولا مل وكأنه يحصد الخيرات والحسنات قبل الوداع الأخير، لأن من هذا ديدنه وهذه مبادئه وأفكاره، وهذا عمله وفعله، يكون لخصمه غائظا ولعدوه قاهرا، فلا أستبعد أن يكون قرار العدو الصهيوني بحق هذا الرجل قد اتخذ وينتظرون التوقيت في الزمان والمكان.

ولا يسعني في نهاية مقالي هذا إلاّ الاعتذار لكل الشرائح التي سطرت ملحمة إغاثة غزة من الإعصار الماطر، مقدراً جهودهم وتعبهم ونبل سريرتهم وأن المقالات لا يمكن أن تعطيهم حقهم فالصور أبلغ وأفصح من أي قلم، ولكني أعلم علم اليقين حبهم لدولة رئيس الوزراء وأنهم يؤثرونه على أنفسهم، فسبقتهم في الإيثار فإن لوحة غزة المشرقة تتجسد واقعاً حياً في إسماعيل هنية، التي نتمنى له السلامة كلنا.

ملفات أخرى متعلفة