إقرأ المزيد <


الثوابت الفلسطينية المتساقطة 2-2

د. محسن صالح
أربعاء ١١ ١٢ / ٢٠١٣
في 3 آذار (مارس) 1965م خطب الرئيس التونسي بورقيبة في الفلسطينيين بأريحا، مطالبًا إياهم والعرب بقبول قرار الأمم المتحدة رقم (181) لتقسيم فلسطين، وفي 21 نيسان (أبريل) 1965م قدم مبادرته للتسوية السلمية على أساس هذا القرار، فثارت ثائرة الشعب الفلسطيني والشعوب والأنظمة العربية، واتهم بورقيبة بأقذع الاتهامات، ومنها الخيانة والعمالة.

وفي 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988م، ووسط جمع احتفالي حاشد للمجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر، أعلن ما عرف باستقلال فلسطين، مع تضمينه اعترافًا ضمنيًّا بقرار تقسيم فلسطين، منطلقًا لإعلان الاستقلال، وعلى أساس أنه يوفر للشرعية الدولية شروطًا تضمن حقّ الشعب الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني.

ووقف مناضلو الأمس يصفقون ويهنئ بعضهم بعضًا، وأضافوا في المؤتمر نفسه اعترافًا بقرار (242) الذي طالما رفضوه؛ لأنه يتعامل مع قضية فلسطين على أنها قضية لاجئين، لا قضية شعب، وأصبح ما كان يُسمى خيانة بورقيبة واقعة نضالية ثورية تراعي متطلبات المرحلة.

عندما انطلقت منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964م لتحرر أرض فلسطين المحتلة سنة 1948م (غرب الضفة الغربية) اتهمتها فتح وبعض الفصائل بأنها مرتبطة بالأنظمة العربية، وأنها ليست ثورية بما يكفي، ودخلت فتح المنظمة في صيف 1968م لتقودها ولتقوم بـ"تثويرها".

وفي 13 أيلول (سبتمبر) 1993م كانت قيادة المنظمة "التي هي قيادة فتح" توقع اتفاق (أوسلو) لإنشاء حكم ذاتي محدود في بعض مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، التي لم تكن محتلة أصلًا عندما نشأت فتح والمنظمة، ولتعترف هذه القيادة بأن الأرض التي أسست لتحريرها (فلسطين المحتلة 1948م) أصبح اسمها (إسرائيل).

وهكذا لم تعد فلسطين (الـ27009 كلم2) هي فلسطين التي نعرف، فقد انتزع منها 20770 كلم2 (77% من مساحتها)، أما فلسطين فقد أصبحت الضفة والقطاع، وأصبح يحلو للمتفذلكين من السياسيين والكتاب والإعلاميين استخدام مصطلح "الأراضي الفلسطينية" للإشارة إلى الضفة والقطاع.

لم تعد الأرض ثابتًا من الثوابت، وأصبحت فلسطين التي نعرف هي فلسطين التاريخ، لا فلسطين الحاضر والمستقبل، وتوارت عن الأسماع الأغنية الفدائية الثائرة: "ما بنتخلى عن حبة رملة ... إن كنا بنحب اللد وبنحب الرملة"، واختنق صوت الشاعر: "من باع شبرًا من بلادي بعته وبلا ثمن".

رسام (الكاريكاتير) الشهير المرحوم ناجي العلي رسم (كاريكاتير) ذات يوم استخدم فيه اللعب بالألفاظ، فأشار كيف كان ثوار الأمس يرفضون الحلول المرحلية، وكيف أصبحت بعد ذلك هذه الحلول مستساغة، فكتب على الرسم "الحلّ المُرُّ حلي"، أي أن الحل المَرحلي أصبح حلوًا، لم يطل الأمر بناجي العلي الذي اغتالته رصاصة غادرة، قيل إنها "إسرائيلية"، وقيل إنها فلسطينية غضبت من انتقاداته المرّة.

والآن إذا ضُرب الثابتان الرئيسان للقضية المتعلقان بالأرض والشعب؛ فما هي الثوابت الفلسطينية المتبقية؟!، وما الذي بقي مما لا يمكن التنازل عنه؟!

إذا كنا نتوافق على أن القدس أحد الثوابت؛ فإنه يجري الآن تكييف هذا الثابت وإفراغه من محتواه، بعد إخراج غربي القدس ابتداء من الموضوع وعدّها "منطقة إسرائيلية"، ووجود إشارات فلسطينية إلى إمكانية التنازل عن حائط البراق وحيّ المغاربة، وما يسمى "حيّ اليهود" (حيّ الشرف) في البلدة القديمة، و"المقبرة اليهودية" في جبل الزيتون، إضافة إلى عدم إحداث أي تغيير في منطقة المسجد الأقصى دون موافقة الاحتلال، كما تنص وثيقة جنيف، هذا فضلًا عن طرح جون كيري فكرة القدس عاصمة مشتركة للكيان العبري وفلسطين.

وإذا كنا نتحدث أن سيادة الفلسطينيين على أرضهم أحد الثوابت؛ فإن هناك مؤشرات شبه مؤكدة على أن المفاوضين الفلسطينيين وافقوا على دولة منقوصة السيادة "في دولتهم المنقوصة الأرض" بالضفة والقطاع، تكون منزوعة السلاح، وليس فيها جيش يحميها.

وإذا كنا نتحدث عن حقّ الشعب الفلسطيني في المقاومة المسلحة لتحرير أرضه ثابتًا من الثوابت؛ فإن هذا الثابت قد تجاوزته منظمة التحرير منذ أن أعلنت "نبذ الإرهاب"، والتزمت بعدم اللجوء إلى القوة لفض نزاعها مع الاحتلال.

ثم استفرغت قيادة السلطة جزءًا كبيرًا من طاقة أجهزتها الأمنية في ضرب وسحق قوى المقاومة المسلحة الفلسطينية، وفي التنسيق الأمني مع الاحتلال، بحجة أن عمليات المقاومة تُعطِّل مسار التسوية باتجاه إنشاء الدولة الفلسطينية الموعودة.

وإذا كنا نتحدث عن ميثاق وطني فلسطيني يجمعنا؛ فقد ألغي معظم بنوده استجابة لشروط الاحتلال، في الجلسة الاحتفالية للمجلس الوطني التي عقدت في غزة يوم 22 نيسان (أبريل) 1996م، وتضررت نحو 25 مادة من أصل 32 مادة هي مجموع بنود الميثاق.

ومن بنود هذا الميثاق: أن فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني، وأنها بحدودها التي كانت قائمة أيام الاحتلال البريطاني هي وحدة لا تتجزأ، وأن الشعب الفلسطيني هو صاحب الحقّ في أرضه، وأن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وأن قرار تقسيم فلسطين سنة 1947م هو قرار باطل، وأن إقامة الكيان العبري باطلة من أساسها، مهما طال عليها الزمن، وأن الحركة الصهيونية حركة عنصرية عدوانية توسعية غير مشروعة، والكيان العبري هو أداتها، وهو مصدر دائم لتهديد السلام، وغير ذلك.

ألا يلاحظ محمود عباس وقيادة منظمة التحرير والسلطة أن الفصائل الفلسطينية التي حُرمت الدخول في المنظمة أو لم تشارك فيها _وخصوصًا حماس والجهاد الإسلامي (ومعهما قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني)_ هي أقرب لثوابت الميثاق الوطني الفلسطيني من قيادة المنظمة وفصائلها المتنفذة؟!

إن منظمة التحرير التي يفترض أن تمثّل الشعب وأن تحمي الثوابت تضاءلت وانقرضت معظم دوائرها ومؤسساتها منذ أمد طويل، وانزوت لتصبح كأنها دائرة من دوائر السلطة الفلسطينية، بدل أن تكون السلطة هي إحدى أدوات المنظمة النضالية، ووُضعت المنظمة في غرفة الإنعاش لإيقاظها عند الحاجة لأخذ "الختم"، وإعطاء الغطاء لقادة فتح والسلطة لتمرير سياساتهم وتوجهاتهم.

إن إلغاء قضية اللاجئين هو إلغاء للقضية نفسها، وإن شعبًا عاش على أرضه أكثر من 4500 سنة لا تملك واقعية و"براغماتية" قيادة المنظمة والسلطة أن تلغي حقّه الإنساني الطبيعي في العودة إلى أرضه؛ فليس هناك وسط الشعب الفلسطيني إجماع كما هو الإجماع على حقّ العودة.

إن من حقّ الفلسطيني الذي ضُربت ثوابته، ورأى التيار المتفاوض يُفرغ الأرض والشعب والسيادة والقدسية والمواثيق الوطنية ومؤسسات التمثيل (...) من معناها؛ أن يقف صارخًا ويقول: "كفى!"

باختصار: إن الثوابت ليست بضاعة تُعرض في السوق، وإن من يتنازل عن حقّي في أرضي، وعن حقّي في العودة إليها (...) لا يمثلني كائنًا من كان.

ملفات أخرى متعلفة