إقرأ المزيد <


الثوابت الفلسطينية المتساقطة (1-2)

د. محسن صالح
ثلاثاء ١٠ ١٢ / ٢٠١٣
نريد من محمود عباس رئيس دولة فلسطين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية ورئيس حركة فتح أن يقول لنا ما هي الثوابت الفلسطينية؟!.

تحدث عباس لوفد إسرائيلي من حزب ميرتس زاره في رام الله يوم 23 أغسطس/آب 2013 ،حيث طمأن عباس الإسرائيليين من خلال ما قاله للوفد "أستطيع أن أضمن، عشية نهاية ناجحة للمفاوضات، الالتزام بإنهاء كل الدعاوى، ولن نطالب بالعودة إلى يافا وعكا وصفد". وهو ما تلقفته وسائل الإعلام الإسرائيلية، وعرضته القناة العبرية الثانية.

اللافت للنظر أن عباس بينما كان يُلوح بالتنازل عن الثابت الفلسطيني المتعلق بحقّ العودة، كان لا يزال في اللقاء نفسه يتحدث عن الثوابت، إذ قال: "من الضروري التأكيد أننا نفاوض دون أن نفرط بأي من ثوابتنا"؟!.

ولا ندري إن كان عباس يرى أن حقّ الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه التي أخرج منها ليس من الثوابت، وإذا لم يكن حقّ العودة من الثوابت، فأفهمونا ما هي الثوابت؟!.

نشرت جريدة الحياة اللندنية يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول 2013 تقريرا قالت إنه مبني على تقارير صحفية إسرائيلية متطابقة، أن طاقم المفاوضات الفلسطيني قدم لنظيره الإسرائيلي "ورقة موقف" حول القضايا الجوهرية للصراع، وفيها يعرض الوفد المفاوض التنازل عن حقّ اللاجئين في العودة إلى فلسطين المحتلة سنة 1948، ويطلب تخيير اللاجئين في العودة إلى مناطق الضفة والقطاع، أو التعويض، أو الذهاب لدولة ثالثة، أو البقاء حيث هم.
إذا صحت هذه التقارير، فهل يعني ذلك أن أحد أهم الثوابت الفلسطينية وهو حقّ الشعب الفلسطيني في العودة إلى الأرض التي أخرج منها، سيكون الثابت الجديد الذي سيتم التضحية به في مسار التسوية السلمية، بعد أن تمت التضحية بالثابت المتعلق بأرض فلسطين؟.
إن المخاوف من احتمالات التنازل عن حقّ العودة هي مخاوف حقيقية، وليست مجرد شائعات. فالتفاهمات التي اشتهرت باسم تفاهمات أبو مازن- يوسي بيلين تعود إلى أواخر سنة 1995، وهي تتضمن تنازلا عن حقّ العودة.
أما وثيقة جنيف المعروفة التي وقعتها سنة 2003 شخصيات فلسطينية نافذة ومقربة من صانع القرار الفلسطيني، فهي تتضمن الطرح نفسه الذي أشار إليه تقرير جريدة الحياة، وهي تتنازل بشكل لا لبس فيه عن حقّ عودة اللاجئين إلى أرضهم المحتلة التي أُخرجوا منها سنة 1948، وتربط العودة بالموافقة الإسرائيلية.
ويستطيع القارئ أن يطلع على الوثيقة وأسماء الموقعين في الموقع الإلكتروني الخاص بها، وسيجد أسماء من رعوا هذه الوثيقة أو وقعوها أمثال عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة ياسر عبد ربه، ووزير شؤون الأسرى السابق هشام عبد الرازق، ووزير السياحة السابق نبيل قسّيس، وغيث العمري المستشار السياسي لمحمود عباس، بالإضافة إلى محمد الحوراني، وقدورة فارس، وزهير مناصرة... من قيادات فتح.
وفي الغرف المغلقة، وكما لاحظ كاتب هذه السطور في أكثر من مؤتمر وملتقى، فإن عددا من الشخصيات المنخرطة في مشروع التسوية لا تتردد في الحديث عن ضرورة التنازل عن حقّ العودة، إذا ما أراد الفلسطينيون أن يكونوا "واقعيين" في إنشاء دولتهم في الضفة والقطاع.
إن قضية اللاجئين هي جوهر القضية الفلسطينية، التي هي قضية الشعب الذي اقتلع من أرضه بعد أن أقام فيها لآلاف السنين، ولم يكن للمشروع الصهيوني أن ينشأ إلا بعد أن دمر النسيج الاجتماعي لهذا الشعب، ودمر أكثر من 400 من قراه ومدنه، وصادر أكثر من 90% من أراضيه، واغتصب ممتلكاته ومبانيه ومصانعه وأوقافه.
ومن بين 11 مليونا و400 ألف فلسطيني في العالم، هناك نحو ستة ملايين و300 ألف من اللاجئين الفلسطينيين من أبناء الأرض المحتلة سنة 1948، أي نحو 55% من أبناء الشعب الفلسطيني، يعيش أربعة ملايين ونصف المليون منهم خارج فلسطين التاريخية، بينما يقيم مليون و800 ألف في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبالتالي فحق العودة هو مصير شعب، وليس مجرد ورقة للمساومة.
إن حقّ العودة حقٌّ طبيعي وأصيل وإنساني، ويحظى بإجماع دولي، وصدر فيه ما يزيد عن 120 قرارا دوليا، وهو فضلا عن كونه حقا جماعيا، فإنه حقّ فردي لا يملك عباس ولا قيادة المنظمة ولا أي جهة أو فصيل التنازل عنه.
من حقّ الشعب الفلسطيني أن يقلق على ما تبقى لديه من ثوابت بعد أن قامت قيادة المنظمة بتضييع الثابت المتعلق بالأرض.

ملفات أخرى متعلفة