إقرأ المزيد <


الضفَّة وجَزُّ الفِكْر

إباء أبو طه
أربعاء ٠٦ ١١ / ٢٠١٣
لم تكن حملةُ اعتقال شباب جامعات الضفة الغربية من قبل الاحتلال تحت عنوان "جزّ العشبِ" إلاّ تعبيدًا لطريق قد يتساقطُ أمامه الكثيرون فكرًا وسلوكًا، خاصّة أن عملية التنسيق الأمني مع الاحتلال فرضت صبغةً رقابيةً فكريةً وسلوكية يمكن تسميتها بـ "جزّ الفكر"، جعلت شباب الضفة يتحصنون بـ "العنف الرمزيّ" أو ما يعرف بـ "الرقابة الذاتية" في تفاعلهم في العالم الافتراضي من خلال صفحات التواصل الاجتماعيّ، أو على أرض الواقع.

تغيَّر الترتيب السياسي لوضع الضفة مع قدوم السلطة الفلسطينية، حتى إنّ استهداف التركيب الفكريّ بدا الأكثر وضوحًا، وبدأ "بتفريغ المساجد"، وإعلانها بؤرًا تشكّلُ خطرًا على أمنها لما تهيِّئه من مناخ في تشكيل الخلايا، على حدّ تعبيرهم، لتُقطّع أوصال حلقات العلم، وتُفكّكَ جلسات تحفيظ القرآن وتعلّمها للأشبال والشباب، ليبدو حتى تبادل الحديث في داخل أي مسجد بين اثنين عملاً مشبوهًا.

لعبت وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة دورًا أشبه بدور الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى، بالتجهيل والهرطقة، من خلال التشريعات والقوانين التي تتماهى مع سياسة "جزّ الفكر" التي كان المنبرُ فيها سيّد المشهد من خلال الخطب الجاهزة المنمّقة، ذات الطابع السطحي، التي يُغيّب فيها الحديث عن الأوضاع السياسية التي تمرّ بها الضفة والدول المجاورة، لتشغل مواضيع الحيض والنفاس والتدخين والتداوي بالأعشاب خطب الجمعة. ولم تتورع الأوقاف حتى عن فرض الإرهاب الفكري من خلال قوانين تعرّض الأئمة للاعتقال أو تفصلهم من وظائفهم في حال مخالفتهم لنصوص الخطبة أو التطرق لمواضيع سياسية تخالف نظرة السلطة القائمة، ورهن المنابر لأئمّة السلطة والأوقاف، في تجاوز لكافة المعايير التي يُبنى عليها اختيار الإمام، كالعلم وإلمامه بفنون الخطابة ومقتضيات الواقع، عدا عن شرط ضرورة حصول الإمام على شهادة الشريعة الإسلامية فقط، في إقصاء لدور الأطباء والكتّاب والمفكرين الإسلاميين الذين يتمتعون بوسط مؤثر في الجمع بين المهنة والعلم الشرعي، حتى أضحى يوم الجمعة يُستقبل بنفور وتذمُّر من المصلين الذين باتوا يجلسون في مساجد الضفّة، بحضرة واعظٍ يقرعهم على ذنوبهم من فوق المنبر، في علمنة خبيثة جازّة للفكر والحياة.

تفكيكُ فكرةِ المقاومة وإنهاء الاحتلال وإقامة مشروع وطنيّ يسعى للتحرر، مواضيع أخذت تتراجع بشكل واضح أمام محاولة الحكومة الفلسطينية إشغال الناس بواقع الحياة الاستهلاكي، وذلك من خلال رفع الأسعار وغلاء المعيشة، ليبدو ارتهانُ الناس للبنوك وإغراقُ حياتها بالديون في سبيل تحقيق لقمة العيش، مشهدًا متكررًا تصغُر أمامه فكرة التفات الناس لمعنى حياة المقاومة، لتصبح أغلب المطالبات من الحكومة أن تخفّض الأسعار وتسدل ستائر الحياة الكريمة، التي يستجاب لها بالتجاهل من خلال أيديولوجيات ناعمة تمررها الحكومة، فحواها أن الضفة لم تعد سوى تأشيرة لهندسة معدة أبنائها، في جزّ واضح لفكرة المقاومة التي أضحت مرهونةً باللّقمة، لتخلق معها فلسطينيًّا جديدًا منقطعًا عن مستقبله وماضيه، مرتهنًا لواقع لم تُكشف هويته وملامحه بعد، ليجد الفلسطينيُّ نفسه مفكّكًا ومركّبًا في الوقت ذاته، أمام أفكار يحملها ورغبات تُستجاب لواقع لم ينضج بعد بالطريقة التي تليق بوطنيّته.

وأمام محاولات الأجهزة الأمنيّة اعتقال شباب الضفة، يتعاظم المشهد وتشيخُ المأساة التي تظهر عند البعض ممن تعرّضوا للاعتقال بتجنب الحديث والمشاركة في الحياة السياسيّة، ليتصدر كبار السنّ ومن لا طاقة لهم واجهةَ المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات المنددة بسياسة السلطة تجاه الشعب والاحتلال، ولتخلو الساحات من العمل الجماعيّ المنظّم، الذي كان من نتائجه مؤخرًا ظهور المقاومة الفردية في الضفة، بالإضافة إلى التعبير عن الانتماء السياسيّ الذي بات جريمةً يُعاقب عليها أكثر، لا سيما الانتماء المتعلق بفكرة المقاومة وردّ الروح للضفة بعد أن سُلب الشباب فيها فكرًا وسلوكًا، وغدوا يعيشون كهولةً فكريّة مهابة التعرض للتحقيق والاستدعاءات، حتى إن بعضهم بات يفرضُ إسلامًا مشروطًا على نفسه، باعتزاله لأي من المظاهر التي تدلّ على أنه منتمٍ لأبناء المقاومة شكلًا وسلوكًا.

بالإضافة إلى ذلك، لم تتورع السلطة عن فرض القوانين التي تحفظ لها سيادتها على الضفة، وتضمنّ جزّ فكر الشباب بعيدًا عما قد يعرّضها للنقد والخطر، خاصة في علاقتها السياسية مع الاحتلال، كالتشريعات التي تلجمُ الأفواه وتخفّض سقوف الحريّات التعبيرية للشباب، لتكون تُهمة إطالةِ اللسان وقدحِ المقام موجهّة لأغلب النشطاء السياسيين الذين يعبرون من خلال صفحات التواصل الاجتماعي وغيرها عن سخطهم لواقع الضفة ولسياسة السلطة، والتي تدفع غالبية الشباب للسجن والمحاكمة، في إقصاء لهم عن الحياة السياسية واستئصال فكرة النقد السياسي إلى ما يشغلهم في متابعة مباراة كرم قدم يكون فيها التشجيع للمنتخب الأجنبي على العربي.

وفي ظل العرض البسيط لبعض محاولات جزّ المضامين الفكرية للحياة الدينية والاجتماعية والسياسية في الضفة، ربما ستصبح خيانة الوطن يومًا ما لعنةً أكثر اعتدالًا من ذي قبل، كما غدت المقاومة فكرة تعكّر صفو المفاوضات والعلاقات الفلسطينية– الصهيونية بالنسبة للكثيرين.

ملفات أخرى متعلفة