إقرأ المزيد <


الاختلافات السياسية عندما تتحول إلى جرائم إنسانية

وليد الهودلي
سبت ٠٥ ١٠ / ٢٠١٣
لابد من التأكيد في البداية أنه لا عصمة في السياسة، سواء كانت المرجعية وطنية أو دينية أو قومية أو فصائلية أو عشائرية أو خليط من هذا وذاك، ولذا إننا في زمن سقطت فيه مصطلحات ومفاهيم كثيرة، كانت تشكل عصا على المخالف لمن يدعي العصمة أو امتلاك الحقيقة أو الخبرة العميقة والحكمة الرشيدة، فيجعل هذا الادعاء سيفًا مسلطًا على رقاب المخالفين: فهذا كافر لأنه خالف من يدعي امتلاك الحقيقة الدينية، وذاك خائن لأنه خالف من يدعي أنه يمتلك الحقيقة الوطنية، وذلك خارج عن الصف الوطني لأنه يخالف من يدعي أنه يمتلك وكالة الوحدة الوطنية، وذاك جاهل لأنه يخالف من يرى أنه العالم العلامة، وذاك مشعل فتنة طائفية لأنه يخالف مدعي أنه صمام أمان الفتن ما ظهر منها وما بطن (...) إلخ .

لم يعد أحد يعتقد أن السياسة معصومة، ولا السياسيين معصومون؛ فكلٌّ يصيب ويخطئ؛ لأن السياسة في الأغلب تقدير للمصالح ، فيها ما لا يختلف بشأنه، وفيها ما يختلف بشأنه، ولكن مناكفة الخصوم تحاول دائمًا إظهار عورات وأخطاء من تناكفه أو تنافسه أو تعاديه في العمل السياسي، والأصل أن على من لا توصف العلاقة بينهم بأنها علاقة عداء، مثل أبناء الوطن الواحد وأبناء الأمة الواحدة؛ أن يبقى الخلاف السياسي في دائرة التنافس والمعارضة الإيجابية، التي تعني أن نتعامل مع الخصم في حال إحسانه بقولنا له: "أحسنت"، وعندما يسيء نقول له: "أسأت"، ونبقى في دائرة التصحيح والتصويب، ونشكل حماية لمن بيده الحكم بحيث لا يتمادى في خطئه؛ لعلمه سلفًا بأن هناك من يقف له بالمرصاد مصححًا ومقومًا على قاعدة أبي بكر الصديق: "أعينوني ما أطعت الله فيكم وقوموني ما عصيت الله فيكم"، وبهذا تعمل أغلب المعارضات السياسية في الدول الديمقراطية.

ولكن الأمر عندنا في عالم العرب هذه الأيام يختلف، انتقل الخلاف من دائرة المنافسة الشريفة إلى دوائر العداء والمناكفة، وإشهار كل الأسلحة الممكنة المرخصة وغير المرخصة، وعلى قاعدة التعميم والشيطنة، فلا يوجد أي خير عند الخصم، بل هو شر مطلق.

شيء غير معقول ما نشهده من ممارسات سياسية مقيتة، يقطر منها المشهد السياسي العربي دمًا أسود يمتلئ حقدًا وكراهية، ذهبت الأخلاق والمروءة والدين والوطنية والأعراف الفصائلية والنخوات العشائرية، حتى لو استطاع طرف أن يفني الآخر عن بكرة أبيه لما قصر قيد أنملة، أهي داحس والغبراء من جديد؟، لا _والله_ بل هي أشد، هب لو أن أبا جهل بعث هذه الأيام فهل سيمارس ما يمارسه على غزة النظام المصري؟، لا أعتقد ذلك.

لماذا سرعان ما يتحول الخلاف السياسي إلى جرائم يندى منها جبين الإنسانية؟!، ولماذا يندفع النظام المصري هذه الأيام إلى ارتكاب جريمة إنسانية بهذا الحجم الهائل على شعب يعاني الحصار وقهر الاحتلال، شعب عاش عقودًا من زمن الاحتلال وقرابة سبع سنوات من زمن الحصار؟!، سابقًا قررت أمريكا والكيان العبري دون التشاور مع مصر بناء جدار فولاذي على الحدود المصرية مع قطاع غزة، والمنفذ لهذا القرار كان مصر، واليوم من يقرر الإغلاق المحكم وإنشاء منطقة آمنة على عمق 500 متر على الحدود والمنفذ هي مصر بجيشها العظيم؟!

لنضع النقاط على الحروف، لاشك أن هناك خلافًا سياسيًّا بين النظام الحالي وحماس، حالة التوافق مع النظام السابق حققت إنجازات متعددة لقطاع غزة، منها على سبيل المثال: إنجاز صفقة وفاء الأحرار، ووقفة مصر السياسية مع غزة في الحرب الأخيرة على غزة، لكن بعد التغيرات الأخيرة التي جرت على الساحة المصرية، وبعد أن تولى الحكم خصوم الإخوان كان الاختلاف السياسي بين الطرفين، وهنا على طول الخط تحول الخلاف السياسي إلى سياسات عدائية، ترجمت فورًا على أرض الواقع: تحرك الجيش المصري ليقطع كل شرايين الحياة عن غزة، وتحركت الآلة الإعلامية المصرية في التحريض بطريقة عدائية، بحيث لو نزعنا كلمة "غزة" من الخطابات والبيانات الإعلامية وقلنا لأحد الناس: "املأ الفراغات"؛ لوضع كلمة (إسرائيل).

فهل يعقل أن يتحول الاختلاف السياسي إلى هذه الدرجة من العداء، أن يتحول إلى جريمة إنسانية بامتياز، أن يبسط الأخ يده لقتل أخيه المسالم وتتكرر قصة ولدي آدم (عليه السلام) في القرن الواحد والعشرين؟!، أين الثقافة العريقة في مصر؟!، أين الصوت الحر المنطلق من أعماق المصريين: "لئن بسطت يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك"؟!، أين الأنموذج المصري السلمي الذي أصبح مدرسة عالمية في عملية التحول السياسي وانتقال السلطة بصورة سلمية وقانونية؟!، أين يذهب بنا وبمصر هذا السيسي وزمرته التي حولت الاختلاف السياسي إلى دم ونار؟!، لا يا رجل، لن نقبل لك هذا الأسلوب، حتى أبو جهل لن يقبله لك لو كان حيًّا، وقبل كل شيء لن يقبله لك تاريخ مصر ولا مستقبل مصر، هذا الفعل _سيدي_ عابر منقطع عن تاريخنا وتاريخ مصر، لذلك لن يدوم، بإذن الله، سيتحطم هذا العداء الباطل على أرض غزة، لماذا؟، لأنها كانت _ومازالت_ رافعة لعزة الأمة، ولقد وقفت وحدها في وجه أقوى قوة في المنطقة، ليس بقوة وجبروت إمبراطورية، وإنما لأنها على الحق، وأهلها لا يختلفون مع سيادتكم إلا اختلافًا سياسيًّا لا يحتمل كل هذا العداء.

وما نقوله بالاختلاف السياسي على المشهد المصري نستطيع قوله على كل الجبهات المستعرة: لا يجوز للاختلاف أن يتحول إلى جرائم إنسانية على قاعدة "إذا خاصم فجر"، اعتبرنا في ثمانينيات القرن الماضي مما جرى من حرب أهلية في لبنان، وأصبح مصطلح "لبننة" مصطلحًا عالميًّا، ثم كانت العراق بعد ما جرى في أفغانستان، واليوم سوريا ومصر، يتحول الاختلاف إلى جرائم إنسانية مريعة، ويصبح الوطن المصطبغ بالدم فرجة للعالم الحر ووكالات الأنباء، إنها ثقافة لابد لها من جهود جبارة يعمل عليها كل ذي لب وقلم ولسان، وإنها أعراف سياسية يجب أن تؤسس وتعمل بادئ ذي بدء قبل كل شيء على أدب الاختلاف الذي يجب ألا يصل إلى الجريمة والدماء.

ملفات أخرى متعلفة