من أصول وضوابط التفكير عند أهل السنة

شارك هذه الصفحة عبر Email شارك هذه الصفحة عبر فيسبوك شارك هذه الصفحة عبر تويتر شارك هذه الصفحة عبر Whatsapp

Image copyright
فاعلم أن العلماء قد اتفقوا على تكفير كل من ورد تكفيره في الكتاب أو السنة الصحيحة, فهؤلاء مما لا يشك في كفرهم أو تكفيرهم؛ بل يجب على المسلمين عدم التردد في تكفيرهم, وذلك كأبي لهب وأبي جهل, واليهود والنصارى فعدم الاعتقاد بكفر من كفره الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم, أو قام إجماع الأمة على تكفيره يعد ناقضا من نواقض الإسلام, فضلا عن محبتهم, أو الدفاع عنهم. ولذلك فرق العلماء بين تكفير المطلق وتكفير المعين, أما تكفير المطلق كأن يقول الإنسان: إن اليهود كفار, والنصارى كفار... فهذا مما لا حرج فيه, وأما تكفير المعين, وذلك كأن يقول الإنسان, إن فلانا (يعني باسمه): كافر, فهذا مما اختلف فيه أهل العلم, والراجح من أقوالهم عدم جواز ذلك. ولا بد أن نعلم كذلك أن تكفير المطلق لا يعني تكفير المعين, فإذا حكم الله تعالى بكفر من لم يحكم بما أنزل الله, يعني: لم يحكّم الشريعة, فإن ذلك لا يعني أن تكفر حاكما بعينه, فالمسألة خاضعة لأسباب عدم تحكيم الشريعة, فلا شك أن هناك فرقا بين الحاكم الذي ينكر تحكيم الشريعة, عن الحاكم الذي لا يقر بها وبأفضليتها, ولكنه لا يستطيع ذلك. فالعلماء لا يعدون الوقوع في الكفر مسوغاً للحكم بكفر المسلم قبل تبين حاله، فإنهم يفرقون بين وصف الفعل بالكفر ووسم فاعله بهذا الحكم، فإن ما ورد في النصوص من إطلاق حكم التكفير على فاعلي بعض الموبقات، لا يعني بالضرورة شمول الحكم كل من تلبس بهذه الموبقة. والأصل في هذه العاصمة من قاصمة التكفير قصة الرجل الذي جلده النبي صلى الله عليه وسلم في الشراب، فأُتي به يوماً، فأمر بجلده، فقال رجل من القوم: "اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله" رواه البخاري برقم (780). فهذا رجل ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لعنه، مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن شاربي الخمر كما في حديث أنس بن مالك: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له" رواه الترمذي ح (1295) فشارب الخمر ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، بينما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من لعن هذا المعين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب، لكونه يحب الله ورسوله، مع أنه لعن في الخمر عشرة ... ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين، الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له" مجموع الفتاوى(10/329) وعلى ذلك: فلا يجوز تكفير الحكام بأعيانهم, ولو حكموا بغير ما أنزل الله تعالى, والمسألة هي من شأن العلماء, والحكم على الناس ليس من شأن أفراد المسلمين، والله تعالى أعلى وأعلم.