هل تنجح حكومة العبادي في منع انهيار كامل للدولة في العراق؟

شارك هذه الصفحة عبر Email شارك هذه الصفحة عبر فيسبوك شارك هذه الصفحة عبر تويتر شارك هذه الصفحة عبر Whatsapp

Image copyright
شكَّلت الأوضاع الناشئة عن سقوط الموصل، بيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف إعلاميًّا باسم "داعش"، يوم 9 حزيران/ يونيو الماضي، العاملَ الحاسم في قيام حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، كما ظهر ذلك في بنيتها، وتركيبتها، وأسماء قياداتها، والأطراف السياسية الفاعلة فيها، وتوجهاتها على غرار ما جاء في برنامجها. ويبدو أنه لولا سقوط الموصل وما أعقبه من تداعيات لكان مرجحًا أن يتمكن رئيس الوزراء السَّابق، نوري المالكي، من البقاء في منصبه لولاية ثالثة، على الرغم من درجة الممانعة والرفض من الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية. فبسبب سياسة "العصا والجزرة" التي اتبعها مع خصومه ومناصريه، فضلًا عن تعبئة الجمهور – وخصوصًا الشيعي - في خطاب طائفي مغلق، تمكَّن المالكي من جعْل توازنات القوى والمصالح تتقاطع حول شخصه. ولذلك، يبدو صحيحًا أنّ سقوط الموصل هو الذي سرّع خروجه، وهناك إقرار واسع، داخليًّا وخارجيًّا، بأنّ السياسات الإقصائية التي اتبعها خلال أعوام حكمه الثمانية (2006 - 2014)، ولا سيما في ولايته الثانية، هي التي أوصلت العراق إلى هذه الحال. وقد عبَّر الرئيس الأميركي، باراك أوباما، عن ذلك بوضوح في الأيام الأولى التي تلَت سقوط الموصل، حين قال: لقد خلقت الخلافات الطائفية في العراق وضعا هشًّا. "وفي غياب الجهود السياسية، فإن أي تحركات عسكرية لن تنجح، ولن يكون هناك أيُّ تأثير لأيِّ دعم، من دون تحقيق استقرار داخلي في العراق" . كان هذا الكلام يعني أنّ خروج المالكي شرطٌ لازم لمواجهة خطر داعش، وأنّ هذا الخروج يجب أن يليَه تشكيل حكومة توافقٍ وطنيٍّ، وانتهاج سياسات تعالج المظالم تجاه السنَّة، وتعمل على دمجهم في مؤسسة الحكم أكثر فأكثر. وإنّ هذا الإصلاح السياسي لا بدَّ أن يسبق مواجهة داعش عسكريًّا؛ وذلك لتفكيك الحواضن التي تنشط داخلها، وإعادة بناء ثقة المواطنين العرب السنَّة بالمؤسسات السياسية العامَّة. [color=purple][b]خريطة طريق لمنع الانهيار[/b][/color] ستكون المهمّة الأساسية لحكومة العبادي، بناءً على ذلك، أبعد مدًى، وأوسع من مواجهة حزمة المشكلات البنيوية المعقَّدة والمتراكمة التي تعانيها الدولة العراقية ما بعد عام 2003، من فشل في الوفاء بالخدمات الأساسية، وفساد، وتغوّل السلطة التنفيذية، واقتصاد ريعي يكرِّس تبعية المجتمع للدولة، وانغلاق المسار الديمقراطي، مع تعثُّر المؤسسات السياسية وارتباك العلاقة بينها، وترهُّل القطاع العامّ، وتأخُّر إقرار الإطار التشريعي المكمل لبنية الدولة الضامن لطبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية ولحقوق المواطنة الأساسية. إنّ المهمة الأساسية والخاصة بالنسبة إلى هذه الحكومة هي صيانة الوحدة الوطنية العراقية. وقد شكَّل سقوط الموصل دلالةً رمزيةً كبرى على انهيار الدولة وتفكُّك البلاد التي افتقرت على الدوام إلى سياسات جامعة تؤمن بأنّ النظام السياسي ينبغي أن يؤمِّن للجميع مشاركةً مرنةً وفاعلةً، بدلًا من التنافس التناحري الذي اتخذ طابعًا هويَّاتيًّا يشكِّل خطرًا وجوديًّا على الدولة. وبالتحديد، سيكون أمام حكومة العبادي مهمتان رئيستان متداخلتان. فهل يمكن لهذه الحكومة أن تتصدى لهما؟ المهمة الأولى: إطلاق مسار إصلاح جذريٍّ طويل المدى لمعالجة أزمات النظام السياسي الذي نشأ بعد الغزو الأميركي عام 2003، وأوصلت هذا النظام إلى حافة الانهيار؛ لأنه قائم على تمثيل الهويات المكوِّنة للبلاد وتحاصصها في السلطة، وليس نظامَ "دولة – أمة" يؤمِّن بشراكة متكافئة للمكونات العراقية في مؤسسات السلطة. وقد أطلقت هذه الاختلالات في النظام السياسي العنان للقوى المتطرفة داخل كلّ مكوِّن، ومكَّنتها من احتلال مساحات واسعة تتحرك فيها على خطوط الانقسام المجتمعي والسياسي. لقد تضمَّن البرنامج الحكومي الذي أعلنه العبادي أمام مجلس النواب يوم نيْل حكومته الثقة في الثامن من أيلول/ سبتمبر 2014، وقبله "وثيقة الاتفاق السياسي" بين القوى الرئيسة، مفاصلَ أساسيةً في هذا المسار الإصلاحي. لكنّ التشكيلة الحكومية التي أُعلنت لا تستطيع أن تفيَ بمتطلبات هذا الإصلاح السياسي، ولا سيما أنها استندت إلى الأطراف نفسها التي سيطرت على المشهد السياسي في الأعوام الأحد عشر التي تلَت سقوط نظام صدام حسين، الشيعية منها والسنِّية. وتعيش هذه الأطراف السنِّية، على وجه الخصوص، أزمةً عميقةً في علاقتها بمجتمعها. ولكنّ الإصلاح لا يقف عند حدود التشكيلة الحكومية أو معالجة أزمة التمثيل السنِّي، من خلال إعادة تعريف النخبة السنِّية القائمة وتأهيلها، أو إطلاق مرحلة انتقالية لصناعة نخبة سنِّية بديلة، بل إنه يشمل كذلك إعادة هيكلة النظام السياسي، من خلال إعادة صَوْغ العلاقة بين مكوناته المجتمعية، ومؤسساته السياسية وسلطاته، والمركز من جهة، والإقليم والمحافظات من جهة أخرى، وتحديد صيغ الشراكة في إدارة المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية، وإدارة الثروة. المهمة الثانية أمام حكومة العبادي هي المساهمة، من خلال سلوكها وسياساتها، في مواجهة داعش. ويشكِّل المسار الإصلاحي المشار إليه آنفًا، العتبةَ الأساسيةَ في هذه المواجهة؛ لِما له من دور في تفكيك الحواضن التي آمنت في لحظة ما بأنّ داعش هي الأداة الوحيدة الممكنة للتخلص من تسلط الحكومة المركزية. لقد نمَت داعش في فضاء النقمة المتصاعدة من أزمة تشكيل حكومة المالكي الثانية عام 2010. ولذلك، يكون العنصر الأكثر جوهريةً وضروريةً في مواجهة داعش هو معالجة هذه النقمة وامتصاصها؛ لسلْبها قدرتها على الحياة. لقد سيطرت هذه الرؤية على سائر الترتيبات الدولية، ولا سيما الأميركية التي أعدَّت لمواجهة داعش. بل جرى ربط الجداول الزمنية الخاصة بمواجهة داعش (مثل إعلان الرئيس أوباما عن خطته لمواجهتها، ثمّ مؤتمر باريس لدعم العراق) بالإعلان عن تشكيل الحكومة العراقية. وقد مارس الأميركيون ضغوطًا كبيرةً للإسراع في إعلان تشكيلة الحكومة وعرْضها على مجلس النواب لتنال الثقة، قبل أن يشرعوا في أيّ خطوةٍ لضرب داعش. وفي الإطار نفسه جاء الإعلان عن تشكيل قوات الحرس الوطني، وهي قوات مسلحة عراقية جرى إقرار إنشائها في البرنامج الوزاري لحكومة العبادي. وقد نمَت الفكرة بعد سقوط الموصل، بهدف الانتقال من الأمن الوطني إلى الأمن المحلي؛ أي أنْ يقتصر دور الجيش على حماية الحدود، في حين يتولى الحرس الوطني حماية المحافظة التي هو فيها. ويتألف الحرس الوطني من مقاتلين من أبناء المحافظة، وتُشرف عليه الحكومة المحلية، غير أنه جزء من المؤسسة الأمنية الرسمية، أي إنّه ليس ميليشيا، على غرار قوات الصحوة التي أنشأها الأميركيون عام 2007. ومع ذلك، سوف يناط بالحرس الوطني الجزء الأخير من خطة مواجهة داعش، وهو الجزء الخاص باسترداد الأراضي التي يسيطر عليها داعش، والتمسك بها. وهذا يعني أنّ هذه القوات ستخضع، مرحليًّا وانتقاليًّا، إلى دعمٍ وتأهيلٍ (وربما إلى إشرافٍ) أميركي، بما أنّ الأميركيين أعلنوا مرارًا أنهم لن ينشروا قوات بريةً. [color=purple][b]متغيرات تحكُم سلوك حكومة العبادي[/b][/color] من الواضح، إذن، أنّ حكومة العبادي ستعمل في سياق مغاير كليًّا للسياق الذي عملت فيه حكومتَا المالكي السابقتان؛ إذ سيعمل الفاعلون السياسيون على القيام بأداء مغاير لما كانوا يقومون به طوال الفترة الماضية. وثمَّة أربعة متغيرات رئيسة ومتداخلة، ستحكم عمل حكومة العبادي وتحدِّده، هي: [color=purple][b]•[/b] [/color] تمدُّد داعش: شكَّلت داعش التحدي الأكبر للنظام السياسي القائم في بغداد، بعد سيطرتها على نحو ثلث مساحة البلاد، وقد شكّل هذا المتغير العامل الرئيس في تحديد بنية الحكومة وأهدافها والتنظيمات الرئيسة فيها وقادتها. • تغيُّر الإستراتيجية الأميركية تجاه العراق: امتنع الرئيس أوباما منذ وصوله إلى الحكم، مطلع عام 2009، عن أيِّ تدخل عسكري خارجي، ماعدا التدخل في ليبيا عام 2011، عِلمّاً أن هذا التدخُّل جاء بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي من أجل حماية المدنيين، وقد جرى من خلال الناتو، وتبنَّت معه واشنطن ما يُسمى أسلوب القيادة من الخلف (leading from behind). وعلى الرّغم من أنّ التحولات الجارية في المنطقة في إطار ثورات الربيع العربي وضعت الولايات المتحدة الأميركية أمام تحديات كبيرة، ولا سيما بالنسبة إلى الوضع في سورية التي شهدت مقتلَ مئات الآلاف من المدنيين واستعمالَ أسلحة كيماوية في آب/ أغسطس 2013، وخصوصًا أنّ أوباما نفسه كان قد عدَّ استعمال هذه الأسلحة "خطًّا أحمر"، فإنه امتنع عن التدخل العسكري. وقد تلقى أوباما بسبب ذلك انتقادات واسعةً داخل الولايات المتحدة رأت في سياساته تجاه أحداث الشرق الأوسط وتمدّد روسيا في أوكرانيا، عاملًا ساهم في إضعاف أميركا وتجرُّؤ خصومها عليها. ولذلك، شكَّل القصف الجوي الأميركي على مواقع داعش، يوم 8 آب/ أغسطس، بعد هجومِها على جبل سنجار، وسيطرتها على مناطق واسعة من سهل نينوى - وهي مناطق ذات كثافة مسيحية عالية - وتهجيرِها الأيزيديين، واقترابِها من مدينة أربيل، تحوّلًا في إستراتيجية أوباما الخارجية التي جاءت في جزء كبير منها استجابةً لمتطلّبات داخلية. لقد أسقط صعود داعش وانهيار الجيش العراقي أمامها مبدأ أوباما القائم على الاعتماد على وكلاء محليين لمواجهة التهديدات بدلًا من التدخل العسكري المباشر، وبدا أوباما بلا حجج مقنعة بعد أن جرى اتهامه بالتسرع في الانسحاب من العراق والاعتماد على شركاء محليين لا يمكن الاعتماد عليهم، فضلًا عن سكوته الطويل على السياسات الطائفية والإقصائية والانتقامية التي انتهجها رئيس الوزراء السَّابق نوري المالكي تجاه العرب السنَّة. لم يُجبر صعود داعش أميركا على إعادة تعريف مصادر الخطر التي تهدّد الأمن القومي الأميركي فحسب، بل على اتخاذ إجراءات عسكرية لمحاربتها أيضًا؛ وهي الإجراءات نفسُها التي كان أوباما يحاجُّ بأنها كانت سببًا للأزمات التي تسبَّبت فيها إدارة سلفه جورج دبليو بوش. ويشكِّل العراق الساحة الأساسية لتطبيق الإستراتيجية الأميركية الجديدة. وليس ذلك لأنه مسرح داعش الرئيس، بل لأنّ الولايات المتحدة تتصرف وفقًا لـ "شعور" متمثِّل بمسؤولية تاريخية ترتب عليها فعلُ شيء ما، بالنظر إلى أنها هي من أوصل العراق إلى هذه الحالة من الدمار والفوضى، بعد أن أقدمت على احتلاله وتغيير نظامه السياسي عام 2003. [color=purple][b]•[/b] [/color] التقرب العربي، الخليجي خاصةً، من العراق: لقد أدَّى تمدد داعش إلى بناء مقاربة عربية مختلفة تجاه العراق ومسألة الدور المركزي للشيعة في حُكمه. وبوجه عامٍّ، ثمَّة شعور عربي بأنّ فشل الدولة العراقية وتمدُّد داعش لن يقفَا عند حدود العراق، بل يمثّلان تهديدًا للجميع. وقد بدأت السعودية، خلال الفترة الأخيرة حزمةً من الإجراءات لمواجهة هذا التمدُّد. وهي تشمل مراقبة الفتاوى الداعمة للسلفية التكفيرية وضبطها، ومراقبة تدفق العناصر الجهادية إلى العراق وسورية، ومراقبة مصادر التمويل غير الرسمية لداعش. غير أنّ الأكثر أهميةً في هذه الإجراءات، وهو ما يشكِّل روح المقاربة السعودية الجديدة للعراق، هو دعم مؤسسة الحكم العراقية، لاستعادة قوتها وسعتها التمثيلية، بوصفها العتبة الأولى لمواجهة داعش، بخاصة بعد خروج المالكي الذي شكَّل وجوده أحد أهمّ أسباب التوتر السعودي - العراقي خلال الفترة الماضية. [color=purple][b]•[/b][/color] تحوُّل الجبهة الشيعية المعارضة للمالكي إلى المكون الأساسي في حكومة العبادي: تشعر هذه الجبهة بأنَّ ما اصطُلح على تسميته "تجربة الحكم الشيعي" قد وصلت إلى أزمة، لا بدّ من معالجتها. وقد عبَّرت الأطراف السياسية الرئيسة في هذه الجبهة، ولا سيما المجلس الأعلى والتيار الصدري، خلال الأعوام الماضية، عن مواقف رافضة للصيغة الاحتكارية التي تبناها المالكي، كما دعت إلى إصلاح مؤسسة الحكم وانفتاحها على سائر المكونات العراقية. وفي كلّ الأحوال، تفتح هذه العوامل أفقًا جديًّا أمام حكومة العبادي لإنقاذ العراق من شبح الانهيار، أو التقسيم، أو الحرب الأهلية. ويُعَدُّ استغلال هذه الأوضاع امتحانًا لتوافر النيَّات بخصوص تجاوز الحكم الطائفي، ولا سيما أنّ الأوضاع مواتية لذلك. وهو خصوصاً امتحان للقوى المذهبية السياسية الشيعية ذات العلاقات بإيران التي تسيطر حاليًّا على المشهد. ولا شك في أنّ محاولة تجاوز ذلك الحكم الطائفي (إنْ توافرت النيّات الصادقة) سوف تواجه مقاومة المتطرفين. وهذا الأمر يشمل إلى جانب داعش المليشيات والقوى السياسية الشيعية المتطرفة بدْءًا بالمالكي (الذي ينتمي إلى تيار العبادي نفسِه) وزبانيته، وصولًا إلى عصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وغيرهما.