إقرأ المزيد


​نورس أبو صالح.. مُخرج حلّق بـ "خراريف الوطن" إلى العالمية

حوار - آلاء المقيد

في بلدته الوادعة شرقي طولكرم, صادف عجوز, شاباً في مقتبل عمره, وكان قد لاحظ استطالة شعره, بادره بالسؤال ماذا تصنع بحياتك يا ابن الدكتور؟ أجابه: "الأفلام".. هزّ العجوز رأسه آسفاً على مستقبل هذا الشبل الذي انتظره الجميع ليكون وريث ذاك الأسد_ والده_ بمهنة الطب.

لم يُحقق نورس "الفلاَّح" نبوءتهم رغم تفوقه, لكن لم تغب عن مخيلته يوماً البيئة القروية الفلسطينية, حيث عاش في كنفها سنواتِ طفولته وشبابه, ذاقَ مرارات الصراع من أجل البقاء. كثيرةٌ هي القصص التي على العالم أن يسمعها دون تحريف من فِيه الموجوعين بأوطانهم, لذا قرر أن يسرد على العالم خراريف الوطن, فكان شعاره "لن يصنع أفلامنا إلا نحن", إنه المخرج السينمائي الفلسطيني نورس أبو صالح.

وُلد ضيفنا في مدينة نابلس, عام 1983م, متزوج ولديه أربعة من البنات, نشأت طفولته في قريةٍ كأي فلاح فلسطيني؛ عاش ظروف الانتفاضتين الأولى والثانية, فكان لذلك أثر على شخصيته وموروثه الثقافي, ثم انتقل للعيش في الأردن وهو مستقر نسبياً فيها لأنه مسافر على الدوام.

ميله الطفولي

نورس يِميل من صِغره إلى التمثيل, حيث كان يُمارس العمل المسرحي في الحارات بتلقائية وبراءة الأطفال, ولا يُفوّت فرصة كلما أتُيحت له ليُجمع أبناء الحيّ ويقصّ عليهم خراريف أبطال القرية, ومغامرات جده مع دوريات الاحتلال, وكان يُشارك في المسرحيات التي تُنظمها إدارة مدرسته.

وينحدر أبو صالح من عائلةٍ متعلمة فوالده طبيب, وأمه تخرجت من دار المعلمات, ويُقول في حوارٍ مع فلسطين: "لكن الجو العام لم يُكن يُشجع على الفن والمسرح, فعيشي ضمن بيئةٍ قروية فلسطينية كان ذلك يعني أن الطفل المتميز والمتفوق في دراسته من الأفضل له أن يقرر أحد الخيارين في الجامعة, "طب أو هندسة", لذا لم يُلق الأهل الاهتمام المطلوب لنشاط نورس الجانبي الذي يزاوله.

وكان نورس قادراً على اجتياز الشهادة العلمية العالية التي يُحبها كل والدين لابنهما, فحصل على شهادة هندسة الحاسوب, وخلال فترة دراسته الجامعية كان يُمثل الطلبة في جامعته ويُقيم العديد من الأنشطة الثقافية والإعلامية, ولديه كاميرا شخصية كان من خلالها يُوثق معاناة الطلاب اليومية.

هو الآخر ظّل شغفه نحو السينما تحت قائمة "هواية على الهامش" لسنواتٍ طويلة, عن ذلك يُحدثنا: "حتى مراحل متقدمة من دراستي الجامعية كنت أعتقد أن الإخراج هو نشاطٌ على الهامش, وبعدما أنهيتُ مرحلة البكالوريوس في الحاسوب, توجهت نحو العمل في هذا المجال, لكنه لم يصمد أكثر من تسعة شهور فيه, إذ لم يجد في هذا المجال ما يُشبع طموحه, ويُغذي روح الشغف فيه".

نقطة التحوّل

وبينما كان يستعد أبو صالح للالتحاق بقسم تقنية المعلومات بأحد البنوك, جاءه "طبق من حمص" ليُعيد حساباته ويُرتب أولوياته.

"طبق من حمص" هو اسم فيلمه الأول الذي شارك فيه ضمن مسابقة الجزيرة توك للأفلام الوثائقية القصيرة عام 2007 م وحاز على المرتبة الأولى, بعدها قال نورس لنفسه :" كفى أن تتخذ الاخراج هواية".

وأردف: "هذه التجربة هي من وضعت خطواتي الأولى نحو الإخراج, لذا قررتُ الالتحاق بالمعهد الاسترالي ودراسة دبلوم الاخراج وأتممته في عام واحد بشكل مكثف".

فيلمه هذا يتحدث عن الحمص والفلافل, لكنه ليس في الإطار الشعبي فحسب, وإنما في الاطار الصحي والاجتماعي والسياسي أيضاً، "كيف أن المحتل يحاول سرقة هذه الوجبة التراثية منّا كفلسطينيين؟!".

وبعد أن أتّم دراسة الدبلوم بدأ فعلياً في إخراج عدد من الكليبات الملتزمة لأكثر من قناةٍ فضائية منها قناة طيور الجنة للأطفال, ثم توجه للإخراج لأعمال بعض المنشدين في إطار القضية الوطنية, منهم المنشد عبد الفتاح عوينات, وخيري حاتم, وهكذا بدأ ينتقل خطوة خطوة في مسيرته الإخراجية.

انتقل فيما بعد من العمل الإخراجي إلى الإخراج السينمائي؛ فأخرج عددا من الفيديو كليبات مثل طالع لرشيد غلام، والمسيح ليحيى حوا، وعدد من الوثائقيات مع قناة الجزيرة كالصندوق الأسود، إضافة إلى مجموعة من الدعايات الإعلانية.

وكانت مشاركته في "مهرجان كان" السينمائي من أهِم نِقاط التحول لديه في عالمه السينمائي, حيث تم قبول فيلم له عام 2011 في زاوية الأفلام القصيرة بمهرجان "كان" و يحمل اسم "هدنة".

ويتحدث فيلم" هدنة" الذي تم تصويره في مدينة صويلح في الأردن عن خرق الاحتلال الصهيوني للهدنة المعلنة خلال عام 2008 أثناء العدوان على غزة.

ويتميز العمل بتصويره بطريقة اللقطة الواحدة (one shot) بمعنى عدم خضوعه لأي من عمليات المونتاج.

بالعودة إلى تلك القرية التي وُلد فيها نورس.. كيف كان ينظرون إلى عملك الإخراجى؟ يُجيب: "في البداية أمي كانت معارضة, نظراً لأنها كانت تسمع انتقادات كثيرة كيف أن ابنها ترك عمل الحاسوب وتوجه نحو الاخراج, لكن بعدما قطعت مشوارا في مجال الإخراج وبدؤوا يرون ابنهم على شاشات التلفاز يتحدث عن السينما ولمسوا إنجازاتي تغيرت النظرة كليا".

لكن مازال نورس رغم نجاحاته يواجه بعض الانتقادات, يُقول عن سر هذه الانتقادات بنظره: "المشكلة مع السينما والتوجس منها يكمن في أنها جديدة نسبياً على المجتمعات العربية, عدا عن ارتباط مفهوم السينما بنظرهم بأناس عِملوا ضمن بيئة ليست أخلاقية".

" الصبر .. الشغف .. التجديد" هي الصفات التي يجب أن يتسم بها المخرج ليكون ناجحاً وفق نظرته, وفي نصيحته للمخرجين الجدد يقول: "عليه أن يُظهر استعداده دوماً للعمل وأن يَقبلوا بالتجارب حتى لو لم تكن مدفوعة الأجر, أن يكون قريبا من بيئة العمل الإخراجي, كي يستطيع رسم مستقبله وشق طريق النجاح".

معطف كبير الحجم

وفي سؤالي عن أعظم انجاز حققه خلال عشر سنوات من مسيرته الاخراجية يُوضح أنه يتوق للأفضل دوماً ويُبدي عدم الرضا عن عمله الحالي ليحصل على نتيجةٍ أفضل في العمل القادم, مستطرداً بالقول: "لكن حسب متابعتي فإن فيلم "معطف كبير الحجم" كان له صدى كبير ومؤثر".

فيلم "معطف كبير الحجم", واحد من أربعة أفلام أخرجها ضيفنا أبو صالح, وفي معرض حديثه تطرق إلى تجربه بالفيلم: "تجربتي فيه كانت قاسية بالمعني الحقيقي للكلمة, حيث كان الفيلم طويلا 120 دقيقة وبإنتاج عالٍ نسبياً, وفي مرحلة معينة من انتاج الفيلم اعتقدت أن المشروع سيفشل, وكنت قد قررت الانسحاب سيما في ظل سوء التمويل ومقاومتك للمحيط المنتقد لك, لكن ما دفعني للاستمرار هو قطعي مشوارا طويلا فيه, فأكملته".

معني ذلك أن الفيلم كان سيتحول لنقطة فشل تُحسب عليك لولا قرارك بالمواصلة ؟.. يعلق على تعقيبي: "تقريباً.. لكن حين انتهيت من الفيلم أخيراً وخرج للنور؛ وشاهدت حجم التفاعل العربي والدولي معه, تعود بي ذاكرتي نحو لحظة الضعف تلك, حتى أدركت أول الناس أن هذا التفاعل حين استراح الفيلم على الشاشة لا بد وأنه يحتاج ذلك الجهد المبذول".

يتناول الفترة التي تخللّتها الانتفاضتان واتفاقيّة (أوسلو)، ويتناول الفيلم الحياة الفلسطينيّة في تلك الفترة من خلال قصّة بطل فلسطيني, يقرر أن يخوض غمار الإعلام والسّينما، ويعكس الفيلم خليطًا من المشاعر والصراعات يتم تناولها عبر حس دراميّ وحس كوميديّ، حسبما صرّح به كاتب ومخرج الفيلم، الذي يؤكّد أنّ الفيلم يظهر حياة الفلسطينيّ كما هي.

وعنوان الفيلم بُنِيَ على موروث فلسطينيّ قديم (عندما يرى النائم أنّه يرتدي معطفاً أكبر من مقاسه، فهذا يعني أنّه سيتحمّل مسؤوليات تفوق طاقته)، ومن هنا أخذ الفيلم اسمه، وفقاً لقول أبو صالح.

السينما العربية

والتفت المخرج نورس أبو صالح إلى كيفية توظيف السينما لدعم القضية الفلسطينية, حينما بدأ يُراقب ويتابع الأفلام السينمائية ويرى الرسائل الخفية التي يحاولون بثها عبر الأفلام سواءً تجاه العرب والمسلمين أو تجاه القضية الفلسطينية.

وعن وضع السينما العربية يُتابع: "يوجد حركة سينمائية عربية جيدة وفيها عدة أفكار, وهناك كوادر لكن نتوق لهوليود عربية خاصة بنا, تقوم على انتاج أفلامنا بطريقة دائمة, لا أن نبحث دائماً عن ممول ونحفر بالصخر حتى نقوم بعمل فيلم ما.

وفي سؤالي عن أبرز ما يُعيق عمل السينمائي العربي يُجيب: "الدعم المادي, والايمان به كرسالة لإيصال قضايانا إلى العالمية, لأن معظم ما هو موجود بالسينما تُحابي وتُغازل قيما ليست قيمنا وتُنفذ أجندات ليس لها علاقة بتطلعات الشعوب العربية, وكل هذه تراكمات تُعيق إنتاجًا سينمائيا عربيا حقيقيا".

السفر حياة, وبه يفتح المرء على نفسه وفكره عوالم أخرى, وكفلسطيني فإن السفر يجعلك تقترب من التفاصيل الانسانية وتُعبّر للعالم عن قضيتك دون أن يتحدث باسمك أحد كما يعتقد أبو صالح: "اختلفت ثقافات الشعوب أو تشابهت, هناك مشتركٌ إنساني كبير بيننا".

وعن نظرة الشعوب الغربية تجاه القضية الفلسطينية يُبيّن أن ذلك مقرونٌ وفقاً لنشاط الفلسطيني هناك , فالدول الذي يوجد فيها فلسطينيون وإعلام فعّال, تجد تعاطفا قويا مع القضية الفلسطينية كدول أمريكا اللاتينية, أما الدول التي لا تعرف عنّا إلا من الأخبار تعتقد شعوبها أننا غاضبون دوماً ونحمل حجارة وأسلحة, كأمريكا الشمالية, فرغم النشاط الجيد مازال هناك قوى أكبر تستطيع رسم الفلسطيني ضمن نمط الارهاب.

هل هناك إشادة غربية بأعمالكم السينمائية؟ يُرّد مندفعاً: "نحن لا ننتظر الإشادة بقدر ما ننتظر التفهم، ونحن نضع قضايانا بقالب سينمائي حتي يتفهموها".

"في ضيافة يهود"

من التجارب الفريدة التي مرّ بها أبو صالح خلال سفره إلى نيويورك, إذ تمت استضافته من قبل عائلة يهودية في بروكلين, حيث عصب النشاط اليهودي ومخزن الدفاع عن أرض (إسرائيل).

يِصف حاله قائلاً: "كان التوتر سيد الموقف، وترددتُ في الإقدام خطوة نحو بيتهم؛ وهذا بسبب الموروث الذي تربينا عليه، لكنها كانت تجربةٍ فريدةٍ وجديدة وفيها تحدٍّ ذاتي نوعاً ما، قبل تحدي الآخرين.

وتابع: "لذا يجب أن يكون هناك وعي بالقضية وتفاصيلها لتستطيع التمييز بين اليهودي والمُحتل، وألا تُخندق الناس ضد قضتيك بل تكسبهم إلى جانبك؛ حتى لو كان ذلك في نفس الجسم الذي يُدعي أحقيته في أرضك المغتصبة ."