إقرأ المزيد


نتنياهو يتحدى العالم بـ"غول" الاستيطان

صورة أرشيفية
رام الله / غزة - حازم الحلو

صدمة لن يفيق منها الاحتلال الإسرائيلي قريبًا، سبَّبها امتناع تاريخي لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن استخدام حق النقض (فيتو) ضد مشروع قرار يدين الاستيطان الإسرائيلي الذي ينهش الضفة الغربية المحتلة وشرقي القدس.

جاء ذلك بعدما نجح رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، في ثني القاهرة عن المضي في تقديم مشروع القرار الذي يدين الاستيطان، لتسحبه نهائيًّا، قبل أن تقدمه من جديد أربع دول أعضاء مؤقتين في مجلس الأمن الدولي، هي: السنغال، وفنزويلا، ونيوزلندا، وماليزيا.

وأطلق نتنياهو في 22 كانون الأول (ديسمبر) مناشداته لواشنطن لاستخدام (فيتو) ضد مشروع قرار يدين الاستيطان في مجلس الأمن، ثم طلبت القاهرة تأجيل التصويت على مشروع القرار الذي كانت قدمته بنفسها إلى المجلس لإدانة الاستيطان، قبل أن تسحبه نهائيًّا.

ونقلت (رويترز) عن مسؤولين غربيين قولهم: "إن مصر طلبت التأجيل تحت ضغط من (إسرائيل)، ولتجنب إثارة استياء ترامب".

واستخدمت واشنطن (الفيتو) في 2011م لمنع إقرار مشروع قرار مماثل يطالب بوقف الاستيطان، لكنها امتنعت هذه المرة عن التصويت في خطوة تاريخية، ما أدى إلى تبني مجلس الأمن للقرار. ويعد الكيان العبري، الذي احتل الضفة الغربية في 1967م، وضم شرقي القدس، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي؛ كل المستوطنات غير قانونية.

وهدد نتنياهو بأن كل من يؤيد قرار مجلس الأمن سيعاقب، ليس على يد الولايات المتحدة، وإنما على يد الكيان العبري، وسيمنى بخسائر اقتصادية وسياسية، وأعلن أنه سيوقف تمويل خمس مؤسسات تابعة للأمم المتحدة.

وأمر باتخاذ سلسلة من الخطوات الدبلوماسية ضد الدول التي شاركت في رعاية قرار مجلس الأمن، ووفقًا لبيان صادر عن مكتبه أمر نتنياهو سفراء الكيان في نيوزيلندا والسنغال بالعودة فورًا للتشاور.

غول الاستيطان

ويقطن قرابة 400 ألف شخص في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، حسب قول الاحتلال، وسط ما يزيد على مليوني ونصف مليون فلسطيني.

وشهد 2016م تغولًا للاستيطان في الضفة الغربية وشرقي القدس، فلم يكتف الاحتلال ومستوطنوه بمصادرة الأراضي والتعدي على الممتلكات، بل أصبحت هذه الممارسات تخضع لـ"شرعنة قانونية" في (الكنيست).

وأعلنت حكومة بنيامين نتنياهو خلال 2016م خططًا لبناء مئات الوحدات الاستيطانية في القدس والضفة الغربية المحتلتين.

وصدق (الكنيست) في السادس من كانون الأول (ديسمبر) بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون، يرمي إلى إضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية العشوائية في الضفة الغربية المحتلة، بتأييد ستين عضوًا ومعارضة 49.

وأفاد مركز إعلامي مختص بشؤون القدس والمسجد الأقصى في السابع من كانون الأول (ديسمبر) أن بلدية الاحتلال في القدس بصدد مناقشة 20 مشروعًا تهويديًّا واستيطانيًّا في مدينة القدس، بينها كنس يهودية.

وصدق (الكنيست) في 17 نوفمبر في قراءة أولى على مشروع قانون "تبييض الاستيطان"، الذي يجيز الاستيلاء على أراض فلسطينية خاصة، وتحويلها إلى المستوطنين.

ويتيح المشروع "تبييض" البؤر الاستيطانية التي أقامها المستوطنون فوق أراض فلسطينية خاصة، صودرت من أصحابها منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967م.

وجاء مشروع القانون إثر قرار للمحكمة العليا الإسرائيلية إخلاء بؤرة استيطانية تعرف باسم (عمونا)، وإعادة الأراضي الخاصة المقامة عليها إلى أصحابها الفلسطينيين.

ولاحقًا قدمت حكومة الاحتلال طلبًا لتأجيل إخلاء البؤرة الاستيطانية (عمونا)، المقامة على أراضٍ فلسطينية خاصة.

ونددت وزارة الخارجية في حكومة الحمد الله في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بتصديق بلدية الاحتلال في القدس على بناء 450 وحدة سكنية في مستوطنة (جيلو) جنوبي المدينة، ضمن خطط مماثلة تستهدف تطويق الأحياء الفلسطينية في القدس بالمستوطنات.

وكشف تقرير في تشرين الأول (أكتوبر) أصدرته منظمتا (عير عميم) و"السلام الآن" الإسرائيليتان تزايد عدد المستوطنين اليهود في الأحياء الفلسطينية بمدينة القدس بنسبة 40%، خلال السنوات السبع الماضية.

وظهر نتنياهو في أيلول (سبتمبر) في مقطع مرئي مسجل على صفحته الرسمية بموقع (تويتر)، عد خلاله القوى الفلسطينية ومؤيديهم ممن يرفضون تشييد المستوطنات في الضفة الغربية "دعاةً إلى التطهير العرقي" لليهود.

وأفادت صحيفة "(إسرائيل) اليوم" المقربة من نتنياهو في أيلول (سبتمبر) أن الكونجرس الأمريكي احتضن للمرة الأولى مؤتمرًا بغرض توجيه الدعم للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، ومناهضة حركة المقاطعة العالمية (بي دي أس).

ويعاني الفلسطينيون في بلدة عناتا شمال شرق القدس المحتلة من حرمانهم أراضيهم بالمصادرة والجدار العازل لمصلحة الاستيطان.

ويشير مراقبون إلى أن جدار العزل التهم نحو ألفي دونم من أراضي عناتا، وامتدت المنشآت الاستيطانية على نحو 30 ألف دونم أخرى من أراضي البلدة البالغة نحو 34 ألفًا.

ومنذ 1967م أقام الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية 196 مستوطنة تشمل مستوطنات القدس، إلى جانب نحو 100 بؤرة استيطانية عشوائية، ويسكن تلك المستوطنات ما يزيد على نصف مليون مستوطن على مساحة تقدر بـ196 كم2، بحسب إفادات مراقبين.

نهب أكبر مساحة

ويؤكد المتخصص في شئون الاستيطان خالد منصور أن الاحتلال خلال عام 2016م مضى في تنفيذ مخططاته الاستيطانية، بهدف نهب أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية، لقتل أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية.

ويبين لصحيفة "فلسطين" أن قادة الاحتلال على مختلف مستوياتهم وأحزابهم يتنافسون في دعم الاستيطان، مشيرًا إلى أن المكسب السياسي لدى هؤلاء مرتبط بدعم المستوطنين، وخاصة الغلاة والمتطرفين منهم.

ويلفت إلى أن أساليب الاحتلال في تثبيت الاستيطان لا تنتهي، مبينًا أن دفة المصادرة والضم تُسَلم للمستوطنين في بعض المناطق ليعيثوا فسادًا ويعتدوا على الفلسطينيين، بهدف بث الرعب في صفوفهم، وتهجيرهم من مدنهم وقراهم.

وينبه إلى أن الأعمال العدوانية ضد الفلسطينيين تجري بحماية جيش الاحتلال، على حساب حياة المزارعين الفلسطينيين وأرضهم، وإذا حاول الفلسطينيون الدفاع عن أنفسهم؛ يقمعهم ويشارك المستوطنين في طردهم من أرضهم.

ويشير إلى أنه في حال لم يستطع المستوطنون السيطرة على الأرض الفلسطينية؛ فإنهم يحرقون الأشجار والزروع، ويطلقون الخنازير البرية لتأكل المحاصيل الفلسطينية، في مسعى لدفع الفلسطيني إلى ترك أرضه وإهمال زراعتها، نظرًا إلى ضعف مردودها.

وتقدم حكومة الاحتلال الدعم للمستوطنات وترعاها، وتسعى إلى تحويلها إلى مناطق جذب سكاني، أو مناطق للإنتاج الصناعي والزراعي، ما يضمن مد بقية المستوطنات بأسباب الاستدامة والبقاء، بحسب قول منصور.

ويدعو إلى إحداث تغيير في دور السلطة الفلسطينية لجعلها أداة مقاومة للاحتلال، والبدء بالتحلل التدريجي من الالتزامات الفلسطينية، وخاصة تلك البنود المجحفة بالمصالح الفلسطينية، وتجميد التعامل مع الاحتلال.

من ناحيته يؤكد منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان جمال جمعة أن المشروع الاستيطاني يتكون من ركنين، هما بناء المستعمرات والتوسع الاستيطاني في المستعمرات القائمة، وتوسيع جدار الفصل العنصري وملحقاته من طرق فصل عنصري، ومناطق صناعية وحواجز ومعابر عسكرية تجارية وزراعية وعمالية.

ويشدد لصحيفة "فلسطين" على أن المشروع الاستيطاني بتفصيلاته كلها غير شرعي وغير قانوني بحسب القانون الدولي، فإن هذا القانون يوفر الغطاء الشرعي لمقاومة هذا المشروع على المستويين الميداني والدولي.

ويبين أن إقرار القوانين الاستيطانية العنصرية في (الكنيست) يحمل رسالة تحد واضحة للمجتمع الدولي وللفلسطينيين، مفادها أنه: مهما فعلتم فنحن ماضون في مشروعنا الاستيطاني، مشيرًا إلى أن ما يشجع ذلك السلوك الاسرائيلي هو الموقف الغربي المتحيز للاحتلال، والمتخاذل عن نصرة الحق الفلسطيني.

ويؤكد جمعة ضرورة تقويم الفلسطينيين عملهم النضالي خلال عام 2016م، ووضع الخطط المطلوبة ضمن برنامج كفاحي وطني من أجل المواجهة المستقبلية، بالانسجام مع الفصائل، والقيادة السياسية الفلسطينية، لتحقيق آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني، داعيًا السلطة الفلسطينية إلى وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، وتوفير مقومات الصمود والحماية للقرى والتجمعات السكانية المتضررة بشكل مباشر، والواقعة على خطوط المواجهة مع الجدار والمستوطنات.

ويتمم بتأكيد أهمية تبني صور المقاطعة جميعًا على المستويين الدولي والمحلي، بتشكيل لجان وطنية موحدة من الكوادر الفاعلة لتنسيق العمل وقيادته.

ومع تأكيد رئيس السلطة محمود عباس أن 2017م هو عام إنهاء الاحتلال؛ تبقى الأسئلة مطروحة عن مدى مناسبة برنامجه السياسي لتحقيق هذا الهدف.


ضمن ملحق تصدره صحيفة فلسطين حول أهم أحداث 2016 فلسطينيًا

تحرير صحفي: نبيل سنونو