نصر الله ومعيته لعباده المؤمنين في أحلك الظروف

د. نعيم أسعد الصفدي
الاثنين ٠٢ ٠٩ / ٢٠١٩

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم بإحسان وتوفيق إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن حدث الهجرة النبوية من الأحداث العظيمة المهمة في تاريخ الأمة الإسلامية، ولذلك جعله المسلمون بداية للتأريخ الإسلامي، حيث قال الصحابي الجليل سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَخْطَأَ النَّاسُ فِي الْعَدَدِ مَا عَدُّوا مِنْ بَيْعَتِهِ، وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، إِنَّمَا عَدُّوا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ».

فهي نقطة تحول في تاريخ المسلمين، حيث انتقلوا من مرحلة الاستضعاف في مكة المكرمة إلى مرحلة القوة والتمكين في المدينة المنورة.

دعونا نتوقف عند ثلاثة مواقف حدثت في أثناء الهجرة النبوية تدل على أن عناية الله تعالى ورعايته لعباده المؤمنين المتوكلين عليه سبحانه وتعالى تأتيهم في اللحظة المناسبة وفي أحلك الظروف، الموقف الأول: عندما أحاط المشركون ببيت النبي صلى الله عليه وسلم لاغتياله وضربه بالسيف فيتفرق دمه بين القبائل ، فإذا برعاية الله تعالى تحف نبيه فيخرج من بين أيديهم دون أن يروه، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9] وعندما اختفى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق في جبل ثور مدة ثلاثة أيام ، تمكن المشركون من الوصول إلى الغار ، وهنا يخاف أبو بكر ويرتجف على رسول الله خشية من اقتحام المشركين الغار، ولنتأمل في الرواية التي يرويها مسلم في صحيحه عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، حَدَّثَهُ قَالَ : نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ ، فَقَالَ : " يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ". إنها الثقة بالله تعالى ، إنه اليقين التام بنصر الله تعالى للمؤمنين ولذلك يقول تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40]. وفي أثناء الهجرة تعلن قريش عن جائزة كبيرة لمن يأتي بمحمد صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً ، وهنا يتحرك سراقة بن مالك الفارس المغوار الذي تمكن من الوصول للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ولكن ما الذي حدث معه في الرواية التي يرويها البخاري في صحيحه؟ قال سراقة بن مالك : وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ، حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلاَمَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا: أَضُرُّهُمْ أَمْ لاَ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلاَمَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ لاَ يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ... خرج ليقتلهما ولكنه عاد ليحرسهما ويخفي أخبارهما عن قريش.

إنها رعاية الله تعالى وعنايته بعباده المؤمنين الذاكرين الشاكرين الواثقين بربهم، فإذا كنا كذلك فلن يضيعنا الله تعالى. والحمد لله رب العالمين.