خلال فعاليات إحياء ذكرى النكبة

"نصار" يستذكر "بيت دراس".. "والمفتاح" الذكرى المتبقية لـ"حميدة"

خلال لقاء الزميل يحيى اليعقوبي مع المسن نصار
غزة/ يحيى اليعقوبي:

ترسم تجاعيد وجه اللاجئ منسى نصار حكاية عمرها 71 عاما؛ عاش خلالها قصة عائلة وبلدة وشعب هجر قسرًا من أرضه وبيته. ولا يزال الحنين يعود به لقريته "بيت دراس"، وطفولته حينما كان عمره عشر سنوات، رأى "العصابات الصهيونية" تقتل والده وهو يدافع عن قريته قبل يوم النكبة في 15 مايو/ أيار عام 1948م.

مرت تلك السنين ولا يزال نصار (84 عاما) يحفظ كل تفاصيل وحارات "بيت دراس"، يحتفظ بمفتاح منزله، وأوراق ملكيتها، ليورثها لأولاده وأحفاده، وعلى مقربة من السياج الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة عام 1948م ينقب نصار في حديثه مع "فلسطين" بذاكرته، وهو يشتمرائحة البلاد المحتلة على بعد عشرات الأمتار.

ويعود بذاكرته للوراء: "كانت العصابات الصهيونية، تضرب القرية بالقنابل والمدافع، مما أجبر من بقي حيًا من القرية على المغادرة (..) هجرت مع أخوتي الأطفال ووالدتي سرنا بين الأشواك والصبر، كانت العصابات تطلق النار علينا وتمنينا الموت من الخوف الذي شعرنا به".

استمر مسير نصار وعائلته حتى وقعوا في كمين نصبته "العصابات الصهيونية" لحسن حظهم اختلف أفراد تلك العصابات الذين كانوا يختبئون في خنادق حول قتل الأطفال من عدمه، حتى نجوا وذهبوا للمجدل ومكثوا هناك ستة أشهر.

ولا يفر من ذاكرته موقف عاشه بالمجدل، يرويه: "سقطت قذيفة مدفعية على بعد مترين مني ونجوت من الموت مرة أخرى (..) لجأت بعدها لغزة، استشهد لي ابنان عماد وأكرم وهدم الاحتلال منزلي مرتين".

الذكرى المتبقية

ولم يتبقَ من ذكريات اللاجئ محمود حميدة (72 عاما) من بلدة "قطرة" التي تقع شرق مدينة أسدود المحتلة، سوى "مفتاح الدار" الذى ورثه عن والده وسيورثه بدوره لأبنائه.

ويرتدي الحاج حميدة عباءة بنية يجلس على كرسي بلاستيكي وحوله مجموعة من كبار السن يتبادلون الحديث حول ذكريات النكبة، يشير بيده نحو السياج الفاصل المقابل لنظره قائلا: "الشعب الفلسطيني لا يمكن أن ينسى أرضه؛ لا زلت أحن إلى بلدتي إلى الزيتون والتين وكروم العنب التي حدثتني عنها والدتي، وعن ثمارها وفواكهها والقمح والشعير".

وحينما استطاع حميدة زيارة "قطرة" بعد نحو ثلاثين عاما من النكبة، بكى حسرة على بلدته التي تغير شكلها عن تلك التي رسمتها له والدته وهي تحدثه عنها.

وبينما يلتفت إلى مسيرة نسوية وشبابية يتقدمهم خيول يحملون مفاتيح العودة في مخيم العودة شرق غزة، يضيف: "هذه أرضنا ويجب أن تعود؛ لذلك الاحتلال لا يشعر بالأمن لإدراكه أنها ليست أرضهم".

لا تنازل

وتجلس الحاجة فاطمة مقداد وعمرها من عمر النكبة الفلسطينية، وتكنى بـ "أم محمد" على كرسي بلاستيكي تتكئ على عكاز ورثته من والدتها، بعد أن هجرت قسرا مع عائلتها من بلدة "حمامة" وهي رضيعة لم يزد عمرها عن أربعة أشهر.

وشهدت مقداد يوم 15 مايو/ أيار، يوم لم تعي تفاصيله حينها، لكن والديها حدثاها عنه، عن الطائرات ودبابات "العصابات الصهيونية" التي ألقت بقنابلها وصواريخها على أهل "حمامة"؛ لتبدأ رحلة هجرة، سارت بها أمها طويلا تحملها بين ذراعيها.

ويأخذ الحنين مقداد إلى هواء "حمامة" وأشجارها وترابها، حتى تحقق أمنيتها بزيارتها مع والدها وشقيقها في سبعينات القرن الماضي، وكان عمرها آنذاك (22 عاما).

ولا تنسى تلك اللحظة: "شعرت بالحسرة حينها؛ عندما أشار لي أبي إلى مكان منزلنا وأرضنا الزراعية وشجرة الجميزة التي لا زالت قائمة".

وتضرب اللاجئة بعكازها الأرض ضربتين مشيرة نحو السياج الفاصل مع الأراضي المحتلة وهي لا تبعد عنه سوى مئات الأمتار وتقول لـ "فلسطين": "مرت بي هذه الأعوام والسنوات، لكن ما زلت أتمنى وأنتظر اللحظة التي أعود بها إلى حمامة (..) لا يوجد أغلى من فلسطين".

وأكدت اللاجئة الفلسطينية حق شعبها بالعودة، متممة: "ولو أعطانا العالم ذهبا بدل حبة تراب من حمامة لن نرضى ولن نتنازل عن فلسطين".