​بعد عشرات السنين من الانقطاع عن مقاعد الدراسة

نساء وَجَدن في مقاعد "التوجيهي" ملاذًا لتحقيق ذواتهن و"حلم الطفولة"

نهيل حبوش
غزة - نسمة حمتو

لطالما حلمت أمل أبو دقة من شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، بالحصول على شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) رغم إمضائها 31 عاماً من عمرها بعيداً عن التعليم، فكانت آخر شهادة علمية حصلت عليها لمستوى التاسع، ولكن بإصرارها وعزيمتها استطاعت أن تصل حلمها.

تقول أبو دقة (48 عاماً) لصحيفة "فلسطين": "لدي 8 أبناء و11 حفيداً، وآخر شهادة حصلت عليها كانت شهادة الثالث الإعدادي، ولكن رغم انقطاعي 31 عاماً عن الدراسة إلا أن حلم النجاح بقي بداخلي، فكنت كلما رأيت أحد أبنائي ناجحاً في الثانوية العامة زاد إصراري على تحقيق حلمي".

وأضافت: "ما شجعني أكثر على إكمال الدراسة أنني كنت متفوقة في المدرسة، وآخر معدل حصلت عليه كان 99% وبعد أن استقرت حياتي وأنهى أبنائي دراستهم الجامعية، كان لا بد من تحقيق الحلم، وقد كانت البداية في إعلان على مواقع التواصل الاجتماعي بالتسجيل للثانوية العامة".

وأكملت والفرحة تزيّن ملاحمها: "توجهت لوزارة التربية والتعليم وأخبرتها برغبتي في إكمال الدراسة، وقلت سأحاول وإن لم يحالفني الحظ يكفيني شرف المحاولة، وبفضل الله جاءني القبول لذلك، لكن لسوء الحظ كنت قد سجلت في آخر موعد للتسجيل لذا اضطررت للدراسة في المنزل بنفسي".

صعوبات ولكن..

وتابعت أبو دقة التي حصلت على معدل 71% حديثها: "رغم انقطاعي عن الدراسة إلا أنني كنت دائماً أطلع على كتب أبنائي وأساعدهم في الدراسة وهذا ما ساعدني أكثر عند إكمالي الدراسة".

أما عن الصعوبات التي واجهتها أوضحت أن أصعب ما واجهته هو انقطاع التيار الكهربائي بشكل دائم، إضافة إلى ارتفاع دراجات الحرارة والأزمة الاقتصادية التي نعيشها في قطاع غزة.

لحظة إعلان النتائج لم تصدق أبو دقة أنها نجحت في الثانوية العامة، فقد حاول أبناؤها إقناعها أكثر من مرة أنهم حصلوا على النتيجة عن طريق رقم الجلوس ولكنها لم تصدق إلا عندما شاهدت رقم بطاقتها الشخصية، حينها شعرت بأنها تمتلك الدنيا بأكملها لأنها حققت حلم طفولتها، كما قالت.

بكاء الفرح

وأضافت: "بكيت من شدة الفرح، كان هذا أجمل شعور أعيشه بعد انقطاع كل هذه السنين، حققت ذاتي وحلم والدي ووالدتي وأبنائي وأحفادي ورفعت رأسهم عالياً بنجاحي، لن تكون هذه المرحلة الأخيرة بإذن الله، إذا سمحت الظروف الاقتصادية لي بإكمال دراستي سأدرس التمريض، فمنذ صغري يقولون لي الدكتورة أمل لتفوقي، سأمضي في طريق النجاح فلا شيء سيوقفني بعد هذا النجاح".

نهيل حبوش (46 عاماً) هي الأخرى لا تختلف قصتها عن أبو دقة، فقد كان تشجيع أبنائها وزوجها لها لإكمال الثانوية العامة حافزا كبيرا من أجل التسجيل في وزارة التربية والتعليم والدخول في مرحلة جديدة انقطعت عنها 30 عاماً بسبب زواجها وانشغالها بمسئولية أبنائها.

تقول حبوش لـ"فلسطين" عن أمنيتها في الحصول على شهادة الثانوية العامة: "رغم انقطاعي عن الدراسة إلا أنني كنت أشجع أبنائي على الدراسة دائماً، وكنت أتابع معهم وعلى اضطلاع على جميع المواد التي يدرسونها".

وأضافت: "كانت آخر شهادة حصلت عليها شهادة الأول الثانوي (العاشر)، وهذا ما ساعدني أكثر على إكمال دراستي بشكل طبيعي، وما شجعني أكثر ترددي الدائم على المسجد وممارسة التعليم غير المنهجي، فقد حصلت على عدة دورات في تلاوة القرآن الكريم والآن وصلت لتأهيل سند".

دراسات خاصة

أما بخصوص الصعوبات التي واجهتها، قالت: "رغم انقطاعي عن الدراسة فترة طويلة إلا أنني لم أفكر في الحصول على دروس خاصة على الرغم من أن نظام الدراسات الخاصة كان مختلفا تماماً عن التعليم النظامي".

وتابعت: "واجهت صعوبات في شرح المدرسين فهم لا يراعون الفروق الفردية بين المسجلين ولا حتى فترة انقطاعنا عن الدراسة وكان الشرح دائماً على عجالة، فكنت أحاول قدر الإمكان الاعتماد على نفسي فأنتظر نوم أبنائي وأحفادي وأبدأ بشرح الدروس لنفسي حتى أفهمها".

ومن أشد الصعوبات التي واجهتها حبوش أيضاً الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أغلب سكان قطاع غزة من انقطاع التيار الكهربائي بشكل دائم، وعدم مقدرتها على التركيز بسبب الأحداث السياسية والظروف المعيشية الصعبة التي ترهق عقول الغزيين.

ومضت تقول: "في يوم النتيجة أخبرني ابني محمد أنني نجحت، صراحةً كنت أتوقع نتيجة أكبر، لكن الحمد لله كان إحساس النجاح لا يقدر بثمن، يكفي رؤية الفرحة والسعادة في أعين أبنائي وأحفادي، هذا الشيء وحده كان كفيلاً بأن يفرح قلبي ويشعرني بسعادة لا تقدر بثمن، وسأدرس الشريعة بإذن الله لأخدم وطني وديني فيما بعد، هذا كل ما أتمناه".

تحدٍّ كبير

أما علا القنفد، فهي صاحبة القصة الثالثة التي أصرت على إكمال حياتها التعليمية، على الرغم من الصعوبات التي مرت بها، فبعد أن توفي زوجها فقدت الأمل في كل شيء، لكن بإصرارها وعزيمتها تغلبت على كل ذلك.

تقول القنفد لـ"فلسطين": "إصراري على إكمال الثانوية العامة جاء بتشجيع من أهلي وأصدقائي بعد انقطاع 10 سنوات عن الدراسة، وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها في البداية إلا أنني حققت النجاح بفضل الله".

وتعود للوراء قليلاً بقولها: "بعد وفاة زوجي كان كل شيء صعبا بالنسبة لي، وأول شيء فكرت فيه أن أحصل على شهادة الثانوية العامة، فمهما حققت الفتاة من أحلام في حياتها لن تستطيع تحقيق شيء أكبر من العلم، وبالفعل فرحة النجاح لا يضاهيها أي فرح مهما كانت، حتى فرحة الزواج لا تكون بنفس الإحساس".

وأكملت: "كثير من المواد وجدت صعوبة في دراستها، كاللغة الإنجليزية، والتكنولوجيا التي كانت بحاجة لجهاز حاسوب لتطبيق دروسها، ولم يكن لدي جهاز، لكنني بفضل الله تغلبت عليها وتفوقت في الثانوية العامة، وكان ذلك بداية الحياة بالنسبة لي.. الحمد لله فرحة النجاح جميلة ولا توصف، لكن كان ينقصني زوجي رحمه الله ليشاركني فيها".