إقرأ المزيد


​"نرمين" تُعرّف الناس على التاريخ عبر "الرحلات الأثرية"

غزة - فاطمة أبو حية

حب التاريخ كان أقوى من ميلها للكتابة، لكن الحيرة بين تخصصين جامعيين فرضت نفسها، حينها صلّت "نرمين حمودة" استخارة لتحسم أمرها، وبعدها رأت في منامها معلمة التاريخ في المرحلة الثانوية تبارك لها التحاقها بنفس التخصص، فاستبعدت فكرة دراسة الصحافة والإعلام، وفي الجامعة اقتربت من فلسطين وآثارها أكثر، ولأنها لاحظت غياب المعرفة بالأماكن الأثرية عن الغزيين، أطلقت قبل سنة مبادرة "نشر الوعي الثقافي والتاريخي" القائمة على تنظيم رحلات استكشافية لأماكن أثرية.

علاقة مبكرة

علاقة نرمين بالتاريخ بدأت في سنٍ مبكرة، إذ نتج عن تعلقها بوطنها شغف لمعرفة كل شيء عنه، كما تقول في حديثها مع "فلسطين"، وقد ساعدها في ذلك وجود مكتبة عامة بالقرب من بيتها.

وتضيف: "كنت أتعرف على فلسطين من خلال متابعة نشرات الأخبار، والرجوع إلى الكتب التاريخية، وكنت أمر بالمكتبة في طريق عودتي من المدرسة في المرحلة الثانوية لأستعير الكتب، حتى أن علاقتي بمعلمة التاريخ كانت مميزة، وكثيرًا ما طلبت مني مساعدتها في كتابة تقرير وإعداد (ملازم) للطالبات".

وتتابع: "مع نهاية المرحلة الثانوية، احترتُ بين تخصصي التاريخ والصحافة، وأخيرًا رجحت كفة التاريخ لرغبتي في التعرف أكثر على فلسطين والتعمق في تاريخنا".

الرحلات المدرسية كانت عاملًا في إشباع شيء من شغف ضيفتنا، فبعض الأماكن التي تكون ضمن برامج الرحلات المدرسية في العادة كانت حجارتها وتصاميمها تبهرنا، مثل المسجد العمري الكبير وقصر الباشا، ولكن في المرحلة الجامعية لم تعد هذه الأماكن كافية بالنسبة لها، فأصبحت تتجول في مناطق مختلفة من القطاع لتستمتع بمشاهدة أشياء مختلفة كالبيوت القديمة.

في مقابل اهتمامها بالأماكن الأثرية، لفت انتباهها أن أغلب الغزيين لا يعرفون من الآثار في القطاع إلا المسجد العمري وقصر الباشا وحمام السمرا، مع حالةٍ من الجهل التام بالأماكن الأخرى، خاصة البيوت الأثرية القديمة.

وتوضح: "حتى الأماكن المعروفة، فإن المعرفة بتاريخها متواضعة للغاية، وتكاد تكون معدومة، ذلك لأن زيارتها تتم دون مرشد"، مبينة: "يستغرب الآخرون من المعلومات التاريخية التي أتحدث بها في سياق أي نقاش عن فلسطين وآثارها، ويتبين لي أنه لا معرفة لديهم بالحضارات التي كانت في غزة، والدويلات التي أقيمت فيها، ولا بآثارها وتاريخها".

المعرفة التاريخية ضرورة

ومن وجهة نظر حمودة، فإن معرفة الفلسطيني بتاريخ بلده ضرورة لا بد منها، ذلك لأنه بلد محتل، وفي التاريخ أدلة على وجودنا فيه قبل المحتل، ومنه يمكن تحديد الحق والباطل وأصحاب الأرض الحقيقيون، وبالمعلومات التاريخية يمكن الدفاع عن حق العودة والرد على المعلومات المزيفة التي يشيعها الاحتلال.

في سبتمبر الماضي، أطلقت حمودة مبادرة "نشر الوعي الثقافي والتاريخي" لأسباب عدة، أولها أنها لاحظت جهلًا عامًا بالتاريخ والآثار، وبالقيمة التاريخية للأماكن الأثرية، والاكتفاء بمعرفة أسماء بعضها.

وتقول: "بات واضحًا أن الحياة الصعبة التي يعيشها الغزيون شغلتهم، لذا فالهدف من المبادرة نشر الوعي الثقافي لتاريخ فلسطين وآثارها، وغزة تحديدا، لأن آثارنا تعكس الحضارات التي عاشت في فلسطين، وتدحض كل روايات اليهود بأن الأرض لهم، والهدف الأسمى هو أن أزرع حب الوطن بقلوب أبنائه عندما يشاهدون الآثار ويسمعون حكاية كل مكان وتاريخه وارتباطه بوطنهم، حتى يحافظ الجيل القادم على حقه بالأرض ويمتلك دافعا أكبر للدفاع عنه".

وتضيف: "في البداية كانت الفئة المستهدفة من المبادرة الأبناء وأمهاتهم، وبعد توسع المبادرة شملت العديد من الفئات الأخرى، وهي ليست محددة بزمن، فقد بدأت بمحاضرة ألقيتها في مركز القطان للطفل، ولا موعد لتوقف مبادرتي"، متابعة: "التركيز في المبادرة ينصبّ على المعلومات التاريخية الخاصة بالمكان الذي نزوره أو نتحدث عنه، فلكل مكانٍ تاريخه وحضارته التي عاصرته والشكل العمراني الخاص به".

وأسست حمودة صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" باسم مبادرتها، ومن خلالها تنشر المعلومات وتتلقى طلبات الاشتراك في الرحلات الاستكشافية التي تنظمها، وتلفت إلى وجود إقبال واضح للمشاركة في الرحلات، وأن المشاركين يبدون قدرًا كبيرًا من حب المعرفة والاستكشاف، مشيرة إلى أن سعادة المشاركين هي المروّج الأول للرحلات، فحديثهم عنها يدفع غيرهم للمشاركة.

وتبين أنها تتبع عدة أساليب للتعريف بالتاريخ وبالآثار، منها الرحلات الميدانية، وإلقاء المحاضرات عن غزة وتاريخها وآثارها، إلى جانب ورشات عمل تعريفية بتاريخ غزة.

وعن الفرق بين التعريف النظري والتعريف بالرحلات، تقول: "النظري لا يكفي، ويجب ربطه بالواقع حتى ترسخ المعلومة في الذهن، وفي الرحلات تطبيق منهجي على أرض الواقع، وكثير من الأطفال تعرّفوا من خلال المناهج التعليمية على بعض الأماكن، ولكنهم لم يشاهدوها، فمثلا عندما نزور مكانًا كالمسجد العمري يتذكرون ما سمعوه في المدرسة، ويبدؤون بمناقشتي بمعلوماتهم، وتبدو عليهم السعادة البالغة لأنهم شاهدوا مكانًا سمعوا عنه من قبل".

مواضيع متعلقة: