​نقرة عصفور

نجلاء السكافي
خميس ٠٥ ١٠ / ٢٠١٧

منذ زمنٍ ليس ببعيد كانت تُزين مدخل بيتنا نخلة عريقة تُعرش عِليته بأوراقها الريشية الخضراء، عُرف منزلنا بها حتى أن بعضهم كان يُسميه "البيت الذي فيه نخلة"، أذكر جيدًا كيف كُنا نتسابق أنا والصِغار أمثالي لالتقاط حباتِ الرُطب الجنيّة التي تطل على العليّة ولاسيما لو كانت حبة نقرها عصفور!

نقرة العصفور هذه هي علامة مميزة تشير بأن ذلك الطائر الذواق لم يُقبِل إلا على ألذّ الثمارِ وأطيّبها، على عكس ما هو دارج من المثل القائل: "لو فيها خير ما رماها الطير"، فقد كانت أشد الرُطب حلاوة ونضجًا تلك التي تركها عصفور خلفه مُشيمَة بنقرة.

تُرى لِما لم يحملها الطير حيث يجوب في طيات السحاب؟ هل كانت ثقيلة عليه؟ وما الذي لم يدعه يُجهز عليها كاملةً؟ هل كانت كبيرة على حاجته؟ توقعات عديدة واحتمالات كثيرة لتلك الأنواع من الأسئلة، لكن إجابة واحدة شافية فقط هي أنه أخذ رزقه ونصيبه كاملًا غير منقوص وترك لك رزقك مع رسالة إلهية فاتنة.

هل تتوقع أبدًا أن يكون لك نصيب في أمر ولو قيدَ أُنملة ولا تأخذه؟ هل ظننت يومًا أن رتبةً تمنيتَها، وشِهادة حلُمت بها، وأرضًا اشتهيت السفر إليها، وأرزاقًا سعيت لأجلها كان يمكن ألا تنالها لو أنها كُتِبت لك؟ فما داعي القلق باستعجال خيرك؟ وبماذا يُفيد النظر في آنيةِ غيرك؟ وعلام تمني زوال النعمة عمن سواك!

تلك الثمرة رزقك وحدك قاسَمك فيها عُصفور صغير أخذ نصيبه؛ ليترك لك ختم رباني بأنها الأفضل وثمة شهد في قعر الجرة المكسورة فلا ترميها، ثم ماذا؟ ثم طارت الطيور بأرزاقها يا صديقي فلو كانت لغيرك لما رأتها عينك، لحملها العصفور لغير مكان وغير إنسان لكنها لك أنت فارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس.

وتذكر أنه لا حاجة أبدًا للتواكل وانتظار أن تُفرغ أوعية السماء أرزاقها التي كُتبت لك مذ كنت جنينًا في رحمِ أمك، فأنتَ بذلك تكتب قدرك التعيس بيدك! كل المطلوب هو قليل من الترتيب، وبعضًا من التركيز وكثير من الاجتهاد. تقدير منظم لكيمياء حياتك مع هدايا مُغلفة بالدعاء ترسلها كل ليلة لمالك أمرك وفقط.

تلك النخلة علت يومًا بعد يوم وكلما ارتفعت عِلّية بيتنا أكثر تسامقت قامتها أكثر، ونحن كبرنا ولم نَعد نلتقط الرطب من الأعلى فأصبحت ثمارنا تسقُط إلينا، ثم جاءت الحرب وأثقل الحزن كاهل نخلتنا الخضراء البهيّة عامًا تلو عام. تلك النخلة كانت إنسان، ضَعُف انتاجها ولم تعد العصافير تُقبل عليها حتى خرّت أرضًا وهلكت حُزنًا وهرمًا... ولم تتوقف أرزاقنا.

نعم ما زالت الطيور تنقر الرطب وما زلنا نأكله من فم العصفور إلى فمنا، فالنخلات كُثر والرزق واحد، والله لا يُغلق بابًا حتى يفتح أبوابًا أكبر حجمًا وأكثر رحابة وأفضل حالاً وتذكر أنها دائمًا "أفضل" ولا ضرورة لمعرفة سرّ الأفضلية في الحال فجمال السر في كِتمانه، الله جميل لا يُوقف حَبله المدود أبدًا سواء برسائل مع الطيور أو الرياح أو الأنسام أو حتى الأسقام، ما عليك إلا أن تَعقِلها وتتوكل.. ثم استشعر لذة قربه الآسِر.

مواضيع متعلقة: