​نكبة صامتة.. عملية الهدم الأكبر في صور باهر

رضوان الأخرس

فجر يوم الاثنين قبل الماضي استيقظ الفلسطينيون في بلدة صور باهر جنوب القدس المحتلة على أصوات القنابل والطرقات العنيفة على أبواب منازلهم، بعد أن هاجمت قوات الاحتلال البلدة، واقتحمت عشرات المنازل، وأخرجت سكانها منها بالقوة، تمهيدا لهدمها.

هدمت قوات الاحتلال قرابة 100 شقة سكنية فلسطينية في وادي الحمص، بالبلدة التي يُعتقد أن سبب تسميتها يعود إلى أن جيش الفتح الإسلامي في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب عسكر فيها استعدادا لدخول مدينة القدس، واستخدم الجيش كلمة «باهر» ككلمة سر في تلك الليلة، فسُمي ذلك المكان بـ «السر الباهر» وتطور اللفظ إلى أن أصبح «سر باهر»، ثم مع الزمن أصبحت تنطق «صور باهر».

لم يحدث قبل هذا أن هدم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين أكثر من 100 شقة ومنزل في يوم واحد منذ عام 1967 إلا في أثناء حروبه ضد قطاع غزة، خصوصا الحرب الأخيرة عام 2014، التي هُدمت فيها عشرات آلاف المنازل عبر قصفها برا وبحرا وجوا، آلاف منها هُدمت بشكل كامل، وكثير منها هُدم على رؤوس ساكنيها.

صور باهر المنطقة الهادئة نسبيا تقع ضمن ما يُعرف بمناطق «أ»، التي من المفترض -حسبما جاء في اتفاق أوسلو- أن تخضع إداريا وأمنيا للسلطة الفلسطينية، ومن هنا يأتي بُعد آخر للجريمة، يعبّر عمليا عن مخططات الاحتلال التوسعية المقبلة، ومساعيه لسرقة ما تبقى من أراضٍ فلسطينية، ويعني ذلك أن الاحتلال لم يعُد يعترف بتقسيمات اتفاقية أوسلو ولا مضامينها، وهو ترجمة فعلية لمخططات التصفية المعروفة باسم خطة «صفقة القرن». استهداف الاحتلال أراضي المنطقة «أ» يعني قبره لما يُسمى حلّ الدولتين، وتجاهله الكامل لوجود السلطة يعني أنه بدأ بضمّ الضفة إلى حدود إدارته.

ما قام به الاحتلال تعبير عن سيرورته المعهودة، فهو كيان إحلالي توسعي قائم على سرقة الأرض بعد طرد سكانها منها، وتجاوزه الاتفاقيات التي وقّعها مع السلطة يتطلب ردا من السلطة، ودفاعا حقيقيا عن المناطق التي تعد ضمن إدارتها! لا يُعقل أن تكتفي السلطة الفلسطينية بخطابات الاستنكار في مواجهة التغول الصهيوني، ما جرى عدوان خطير، والتعامل معه ببرود لا يتجاوز حدود الخطابات الكلامية يعني الخضوع لمشاريع الاحتلال والتسليم بها ولها.

نحن أمام إعادة حية لمشهد كامل من مشاهد النكبة، وكأننا في أيامها الأولى، غير أن الصخب أقل، الفلسطيني بلا أرض ولا بيت على ناصية الطريق، غدا يمنحونه خيمة وبعض بيانات الشجب والاستنكار، ويحتضنون ظالمه ويفتحون له أرض العروبة والإسلام.

لموجة التطبيع الحالية أثرها في ازدياد التغول الصهيوني وتمادي الاحتلال في عدوانه، إلا أنني أظنها لحظة غرور خادعة، فلم ولن يأتي الوقت الذي يكون فيه الظلم والعدوان طبيعيا، لن يكون طبيعيا في نفوس جُلّ الناس إلا إذا انتكست الفطرة البشرية واختلت موازين الطبيعة.

وجود إنسان رخيص أو أكثر يقبل أن يكون مطية لأعداء الأمة، ويساهم معهم في محاولات تصفية الحق، كحال المطبّع القميء الذي ارتدى زيا خليجيا سعوديا في أثناء مدحه والتقائه بالصهاينة، يعني أننا أمام موجة رخص، لكن البحر يبقى نظيفا ومالحا، يمكنهم الارتشاف منه، لكن لا يمكنهم ابتلاعه.