39
إقرأ المزيد


نكبات متتالية تحلُّ باللاجئين الفلسطينيين

صورة أرشيفية
غزة - أحمد المصري

في سوريا 2016م وتحديدًا في مخيم خان الشيح للاجئين الفلسطينيين في ريف دمشق تبدو جرائم الحرب المرتكبة بحق اللاجئين الفلسطينيين واضحة للعيان، في خضم صراع ليسوا طرفًا ليه، ولا ناقة لهم فيه ولا جمل، لكنهم يدفعون ثمنه وسط مخاوف من وجود مخططات إسرائيلية ودولية تحاول استهداف اللاجئين الفلسطينيين وشطب قضيتهم.

ولعلك _عزيزي القارئ_ بحاجة إلى قلبٍ كالحجارة أو أشد قسوة، حتى تتمكن من إلقاء نظرة من كثب على المعاناة الهائلة التي يعيش فيها هؤلاء اللاجئون المهجرون من أرضهم في فلسطين المحتلة سنة 1948م، وقد تمكنت "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا" حتى منتصف ديسمبر من توثيق مقتل 307 فلسطينيين قضوا في سوريا فقط خلال 2016م.

على هذا الحال ازدادت أزمة اللاجئين تفاقمًا واتساعًا، واستمر نزف الدم وموجات الهجرة، والحصار والاستهداف العسكري للمخيمات، في ظل اتهامات لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والجهات الدولية بعدم القيام بدورها تجاههم.

وقبل بدء الأزمة السورية كانت إحصائيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) تشير إلى أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في سوريا يبلغ نحو 560 ألفًا، وكانت الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين (تعد جهة حكومية سورية) تقول: "إن العدد بحدود 620 ألفًا"، وتبين إحصائيات لمجموعة العمل أن أكثر من 200 ألف لاجئ فلسطيني هم خارج سوريا الآن.

ووثقت مجموعة العمل حتى الأسبوع الأول من ديسمبر 2016م هجرة 15 ألفًا و500 لاجئ فلسطيني من سوريا إلى الأردن، و42 ألفًا و500 إلى لبنان، و6000 إلى مصر، و8000 إلى تركيا، و1000 إلى قطاع غزة، نتيجة الأزمة التي تشهدها سوريا.

ويواجه اللاجئون بفعل استمرار الصراع السوري الداخلي نفقًا مظلمًا لا يدرون إلى أين سيوصلهم، دون أن تلوح أي حلول لمعاناتهم في الأفق.

ومن أبرز التحديات التي واجهها اللاجئون في سوريا الهجمات العسكرية التي يشنها على مخيماتهم الطيران الحربي للنظام السوري والروسي أيضًا، كما هو الحال في مخيم "خان الشيح".

ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة يوجد 12 ألف شخص محاصر في بلدة خان الشيح، التي تضم مخيمًا للاجئين الفلسطينيين بضواحي دمشق، منذ أعوام.

و"خان الشيح" يمتد على مساحة لا تتجاوز بضعة كيلومترات مربعة، وجغرافيًّا هو أقرب مخيمات اللاجئين إلى الأرض المحتلة، ويقطنه 12 ألف فلسطيني وسوري، بينهم 3000 طفل، واجهوا خطر الموت قصفًا وجوعًا ومرضًا، بسبب الحصار المطبق المفروض عليهم منذ أشهر.

مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين غربي العاصمة السورية دمشق أكبر التجمعات الفلسطينية، ظل خاضعًا للحصار من قبل النظام السوري، وجماعات موالية له، مع تدهور الأوضاع الصحية والمعيشية للاجئين، الذين ذاق كثير منهم ما عرف "الموت بالجوع".

وأطلقت مجموعة من الناشطين في أكتوبر 2016م حملة تندد بالدور الروسي في استهداف الفلسطينيين، وتطالب المنظمات المعنية _وعلى رأسها منظمة التحرير ووكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)_ بالتدخل، ووضع حد لمعاناة الفلسطينيين قاطني "خان الشيح"، والمحاصرين في "اليرموك"، وبلدتي يلدا وببيلا جنوب دمشق.

وامتدت حالة الاستهداف والحصار وموجات الهجرة إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الأخرى في سوريا، كمخيمات: سبينة، وحندرات، ودرعا، وساد "الهدوء النسبي" المغلف بالأزمات الاقتصادية عددًا آخر من المخيمات، كما في جرمانا والسيدة زينب والرمل والعائدين.

ويقول المدير التنفيذي لمجموعة العمل محمود رزق: "إن ما وثقته الأحداث المنفصلة في سوريا تجاه اللاجئين الفلسطينيين، وما جرت عليه شواهد 2016م يرتبط بأمرين، أحدهما أن النظام السوري في مسعاه لفرض سيطرته على المناطق المختلفة في سوريا لا يراعي مطلقًا حرمة لمخيم، ولا رمزية الإنسان الفلسطيني البتة".

ويضيف لصحيفة "فلسطين": "إن الأمر الآخر يرتبط بوجود مساع حثيثة إلى تفكيك التجمعات الفلسطينية الكبرى في سوريا، وخاصة تلك الأقرب إلى حدود فلسطين المحتلة سنة 1948م، وهو هدف أساسي إسرائيلي لشطب حق العودة".

وفي ظل هذه الأزمة المستمرة للفلسطينيين في سوريا يبين رزق أن (أونروا) تعمل بجهد قليل جدًّا لمساعدة الفلسطينيين اللاجئين، وإمدادهم بأواصر المساعدة الإغاثية والمعنوية، في حين أن الدور السياسي المنوط بمنظمة التحرير يكاد يكون معطلًا تمامًا.

لبنان.. الألم والأمل

أما في لبنان فالمعاناة ترافق اللاجئين لكن بصور أخرى، منها استمرار حرمانهم حقوقهم الإنسانية والاجتماعية، وتراجع (أونروا) عن خدماتها ومسؤولياتها، وإحداث سياسية تقشفية واسعة في الملف الصحي، لكن الأمل عقد على انتخاب الرئيس اللبناني ميشال عون لتخفيف معاناتهم.

ويؤكد مسؤول ملف اللاجئين الفلسطينيين في حركة حماس بلبنان ياسر علي وجود قرار من (أونروا) بتقليص خدماتها والتراجع عن كثير منها، إلى جانب تنفيذ سياسة تقشفية واضحة في الملف الصحي، وقد بدأ من كانون الثاني (يناير) 2016م.

ويبين علي لصحيفة "فلسطين" أن قرار (أونروا) جاء في الوقت الذي يعيش فيه اللاجئون "أسوأ أوضاعهم" من الفقر والبطالة، وعدم قدرتهم على تعويض أي نقص مادي يطرأ على سياسات (أونروا) التقشفية.

ويرى أن تسويغ (أونروا) تراجعها عن مسؤولياتها بالعجز المالي يأتي في ظل محاولات لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة، وتصفية قضيتهم برمتها واستخدامها ورقة ضغط عليهم لقبول الحلول الدولية المطروحة بخصوص توطينهم وتخليهم عن حق العودة.

وخلال 2016م خاض اللاجئون الفلسطينيون مجموعة من التحركات الشعبية، أغُلق خلالها مقر (أونروا) الرئيس في بيروت، وعطلت فيها كل المرافق التابعة لها، الأمر الذي حمل (أونروا) على البدء بحوار فوري مع لجان مفرزة باسم اللاجئين.

ورفع اللاجئون مجموعة من الشروط خلال مفاوضاتهم مع (أونروا)، تتعلق بالالتزام باستمرار دعم الملف الصحي، والشؤون الاجتماعية، ودفع بدل إيجار للاجئين الفارين من الصراع الدموي في سوريا، والبدء في إعمار مخيم نهر البارد.

وفي نوفمبر 2016م قال ممثل حركة المقاومة الإسلامية حماس في لبنان علي بركة، في تصريح لصحيفة "فلسطين": "إن الحركة بدأت مع الفصائل الفلسطينية في لبنان تحضير مذكرة فلسطينية موحدة، لتسليمها إلى الرئيس اللبناني الجديد، من أجل مقاربة الوضع الفلسطيني في لبنان من كل جوانبه السياسية والإنسانية والاجتماعية والقانونية والأمنية".

وأعرب عن أمله في أن تستجيب الحكومة اللبنانية برئاسة سعد الحريري لمطالب الشعب الفلسطيني، بإقرار الحقوق المدنية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين، وتأمين العيش الكريم لهم ريثما يتمكنون من العودة إلى ديارهم الأصلية في فلسطين.

وكان عدد المخيمات في لبنان عام 1955م 15 مخيمًا، تقلصت اليوم إلى 12 مخيمًا، في وقت تتزايد فيه أعداد اللاجئين في المخيمات المكتظة بالسكان، وهناك حاجة إما لتوسيع المخيمات، أو السماح للاجئين ميسوري الحال باشتراء منازل خارج المخيمات، كما المواطنين العرب الذين يحق لهم اشتراء عقار أو شقة في لبنان، بحسب إفادة بركة.

وفي خضم ذلك خطف أنظار المراقبين بناء جدار حول مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، قرب مدينة صيدا، جنوب لبنان.

وحث رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في اتصالات هاتفية رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، ورئيس الوزراء السابق تمام سلام، ورئيس الحكومة سعد الحريري على سرعة وقف بناء الجدار الإسمنتي العازل، الذي كانت السلطات اللبنانية بدأت ببنائه حول مخيم عين الحلوة، موضحًا خطورة هذا الجدار على أوضاع اللاجئين في المخيم.

ولاحقًا قرر الجيش اللبناني وقف العمل ببناء جدار إسمنتي حول مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، الذي يقطنه 80 ألف نسمة.

الأردن والضفة وغزة

وفي الأردن لم يكن الحال بعيدًا عن حال اللاجئين في لبنان، إذ يرى مراقبون أن 2016م لم يكن عام تغيير أو استجابة لمطالب اللاجئين العريضة، فيما يتعلق بإجراء دعم حقيقي لإصلاح البنى التحتية داخل المخيمات، وتوفير سبل العيش الكريم لسكانها.

من جهته يؤكد رئيس دائرة شؤون اللاجئين في حماس د. عصام عدوان أن (أونروا) تراجعت وأخفقت في كل ملفات مسؤولياتها تجاه اللاجئين، بمناطق العمليات الخمس الرئيسة التي تشرف عليها في لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة.

وخلال مؤتمر صحفي في أكتوبر الماضي جاءت إشارة عدوان إلى أن تراجع وإخفاق (أونروا) ازداد نسبتهما تدريجًا على مدار السنوات الماضية، ووصلا إلى ذروتهما في 2016م، مبينًا أن الأزمة بدت جلية بعد ما وجه مفوض (أونروا) بيير كرينبول في أوائل أيار (مايو) 2015م مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، شرح فيها وجود عجز مالي، وأنه مضطر إلى اتخاذ تدابير تقشفية تمس بعض الخدمات في الصحة والتعليم والتشغيل.

وشهدت الضفة الغربية وقطاع غزة خلال 2016م حراكًا احتجاجيًّا متكررًا من قبل اللجنة المشتركة لاتحادات الموظفين في (أونروا) على سياسات الوكالة.

لكن اللجنة المشتركة في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة علقت في 20 ديسمبر خطواتها النقابية كافة، بعد استجابة (أونروا) لمطالبها.

وقال رئيس الاتحاد سهيل الهندي خلال مؤتمر صحفي في غزة: "إن الاتحاد توصل إلى تفاهمات مبدئية مع (أونروا) لحل الأزمة، والوصول إلى مرحلة جديدة من "إعادة الثقة"، وتضمن الاتفاق أنه في حال إقدام السلطة الفلسطينية على إعطاء المعلمين زيادة؛ تعطي (أونروا) الموظفين جميعًا زيادة، ما عدا الذين حصلوا على منافع إضافية".

وأكد الهندي أن (أونروا) ستفتح باب التوظيف من بداية يناير 2017م، والعودة إلى الوضع الطبيعي للتوظيف، بمعنى إلغاء قرار تجميد التوظيف، إذ ستملأ الشواغر في جميع الدوائر ضمن الموازنة الاعتيادية.

ولا يزال اللاجئون في قطاع غزة على وجه الخصوص يعانون صعوبة في أوضاعهم، نتيجة الحصار والعدوان الذي شنه الاحتلال في 2014م.

ضمن ملحق تصدره صحيفة فلسطين حول أهم أحداث 2016 فلسطينيًا

تحرير صحفي: نبيل سنونو