​نبيل عناني فلسطين في أستراليا.. وغيرها

معن البياري
الثلاثاء ٠٨ ١٠ / ٢٠١٩
معن البياري

فوجئ الأسترالي، إبرهارد فرانك (79 عاما) لمّا تسلم جواز سفره الجديد في بلده، بأن خانة مكان ولادته انكتب فيها إنه "غير محدّد"، فيما كان، في طلبه الجواز، قد كتب إن المكان يافا في فلسطين، كما يفعل كل مرّة. ولمّا استوضحهم عن سبب ما فعلوه، أخبروه إن الحكومة الأسترالية لا تعترف بدولةٍ اسمها فلسطين. غضب الرجل، وأقام دعوى أمام لجنة لحقوق الإنسان في بلاده، ثم حاولت هذه التوسّط بينه وبين وزارة الشؤون الخارجية والتجارة (المعنيّة بأمر إصدار جوازات السفر)، فعرض أن يكتبوا: يافا، فلسطين تحت الانتداب البريطاني... ولكن الوزارة رفضت، فأحيلت القضية إلى المحكمة الفيدرالية التي قضت الأسبوع الماضي لصالحه، بأن ينكتب اسم فلسطين في خانة مكان ولادته في جواز سفره، كما أراد. وقد علّل الرجل، وهو من أصل ألماني، ما قام به بقوله إن والدَه كان يُخبره إنه ولد في فلسطين، كما إن لديه شهادة ميلادٍ من حكومة عموم فلسطين تثبت ذلك.

يبعث الخبر على الغبطة، لأن اسم فلسطين انتصر على محاولة محوِه. ويستثير، في الوقت نفسه، شيئا من الأسى، لأن عملية محوٍ نشطةٍ تجري لهذا الاسم بين ظهرانينا، نحن العرب، في بلادنا، فثمّة (إسرائيل) ومناطق السلطة الوطنية الفلسطينية والضفة الغربية وقطاع غزة. لا يكاد اسم فلسطين، كما هو، يحضُر إلا في أناشيد للأطفال منسيّةٍ، وفي قصائد مهملة، وإنشائياتٍ عابرة. وبدعوى الدّقة والموضوعية واستخدام المسمّيات القائمة الذائعة، لا تستخدم الصحافات والفضائيات العربية فلسطين اسماً لأرضٍ محتلة أو لبلدٍ أو لوطن، إلا في أضيق الحدود. وذلك فيما اسم (إسرائيل) غلابٌ وفادح الحضور، لا يدلّ فقط على حكومةٍ ودولةٍ وكيان، وإنما على أرضٍ وجغرافيا، ثمّة نزاعٌ عربيٌّ على الحدود معها (!). وليست الحكومة الأسترالية استثناءً في فعلتها الموضحة أعلاه، فحكوماتٌ عربيةٌ كثيرةٌ تزدري اسم فلسطين في وثائقها ومكاتباتها وإعلامها، وفي مناهج التدريس للطلاب والتلاميذ في مدارسها. ولو أراد فلسطيني من مواليد يافا (أو الناصرة أو الخليل أو مخيم شعفاط مثلا) إثبات اسم فلسطين في وثائقه الحكومية لن ينجح، لأن هذا الاسم جرى، بتواتر الوقائع والسياسات، تغييبُه، بل وتم استبدالُه، من دون حياء، بالاسم البغيض المقيت، (إسرائيل). أما إذا أراد هذا الفلسطيني مقاضاة هذه الحكومة العربية أو تلك، لنفيها اسم فلسطين من وثائقه، فإن عملَه هذا سيُنسب إلى مسرح الهزل، لا إلى حقائق التاريخ والجغرافيا والوجدان.

تنشط حكومات المحتلين الإسرائيليين في تغييب اسم فلسطين، ولا تتساهل مع أي جهدٍ، على أي صعيد وفي أي مستوى، لإشهاره. وليست منسيةً غضبةُ لوبياتٍ صهيونيةٍ ومتصهينةٍ تواليها، في عام 2006، من فوز فلسطين بجائزة الكرة الذهبية في هوليوود عن فيلم المخرج الفلسطيني، هاني أبو أسعد، "الجنة الآن"، وقد أحدثت ضجّةً من هذا، بدعوى أنه "ليس من دولةٍ اسمها فلسطين، ولا يحق للقائمين على الجائزة تقرير الحدود، والاعتراف بكيانات سياسية".

ولا تزيّد في القول هنا إن معركة اسم فلسطين ملحّة، ويحتاج خوضُها إلى قدراتٍ وملكاتٍ ومعارف في التاريخ والقانون وعلوم السياسة، وقبل ذلك إلى إرادةٍ وحسٍّ وطنيٍّ عالٍ وعروبيٍّ مكين. وفي الوسع أن يقال هنا، من دون تحرّز، إن فلسطينيي الأراضي المحتلة في عام 1948 (هناك استسهال في تسميتهم عرب إسرائيل!) هم في مقدمة المحاربين عن اسم فلسطين، وصوْنه من العبث والشطب، على الرغم من كل محاولات الأسرلة التي تنشط بشأن هويتهم وثقافتهم ولغتهم، وهم في فم الذئب، وفي اشتباكٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ عويصٍ ومعقد. وكان بديعا من أهالي سخنين، أنهم اختلفوا بفوز ناديهم في كأس (إسرائيل) في كرة القدم في عام 2004 برفع أعلام فلسطين.

وكان مهمّا أن ترفض الفلسطينية من حيفا، رنا رسلان، فازت بلقب ملكة جمال (إسرائيل)، أن تكون "سفيرة شرف" للدولة العبرية مقابل راتبٍ كبير... والوقائع المماثلة كثيرة، وكلها وغيرُها، في أكثر من فضاء فلسطيني في العالم، تصبّ في مجرى حربٍ ليست هيّنة، يُراد فيها محو اسم فلسطين، جامعا لأرضٍ واحدة ولشعب واحد، شارك فيها، أخيرا، رجلٌ أسترالي ضد حكومة بلاده، وانتصر لهذا الاسم الخالد.


العربي الجديد