إقرأ المزيد


​عنب آب.. اقطف ولا تهاب

غزة - عبد الرحمن الطهراوي

تحت عرائش العنب الممتدة على طول مساحة 70 دونماً ينادي أبو وليد حارس بيارة (الوحيدي) على العمال الغارقين في عرقهم تحت شمس الضحى، يطلب من هذا أن يختار العناقيد الصفراء للقطف، وذاك أن يبدأ بما يطلق عليه اسم عملية "التقنيب" أي قطع الأوراق غير اللازمة كي يسمح للهواء وضوء الشمس بالوصول إلى القطوف.

ينحني الستيني صاحب البشرة السمراء واليدين المجعدتين بين مسافةٍ وأخرى لجمع أوراق العنب الجافة، وإزالتها بعيداً عن أصل الغروس، بينما يردد بصوتٍ عال على مسامع عماله المثل الشعبي القائل :"أول آب، اقطف ولا تهاب"، بالإشارة إلى أن القطوف في هذا التاريخ تصبح جاهزة للقطف لاكتمال حلاوتها، ووصول لونها إلى الأصفر الكامل.

البيارة التي تقع شرق المستشفى التركي القريبة من مستوطنة "نتساريم" سابقاً، التي تفصل بين شرق مدينة غزة وغربها، تكتظ بالعمال خلال موسم القطاف، يعيشون كعائلة واحدة حتى انقضاء الصيف –يقول أبو وليد.

ويضيف :"نتعامل مع كل غرسة على أنها أحد أبنائنا، نرعاها بكل حب وعناية، حتى إذا أصابها مرض أو تلف تعتصر قلوبنا، ونحن نحاول إيجاد أي حل قد ينقذها، فإن ماتت أصابنا الكمد عدة أيام بعدها".

وأشار الرجل الستيني إلى أنه وأربعة آخرين –ثابتون في المزرعة- بدؤوا العمل فيها منذ أكثر من 10 سنوات، بمجرد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية من غزة "أي منذ أن كانت كثباناً، عايشناها منذ أن بدأ تجريفها، ومن ثم حرثها، ومن ثم زراعتها ولهذا كل منا يعدها جزءا منه" يكمل.

من العام إلى العام

وتزرع البيارة نوعين من العنب هما (البناتي) وهو نوع من الأنواع اللا بذرية، وعنب البحر أو العنب (القرّيش) بفتح القاف وتشديد الراء، وهو عنب بذري سمي بهذا كونه يصدر صوتاً لدى تناوله من قبل المستهلك.

ويبدأ غرس شتلات العنب على عمق ما يقارب الثلاثة أمتار تحت الأرض خلال شهري فبراير ومارس، أي قبل عام من ظهور أول أوراقها على سطح الأرض، بينما يجهز المزارعون –والحديث لأبي الوليد- الأعمدة، والأسلاك التي ينبغي أن تتسلق عليها الدالية أثناء نموها وحتى بداية ظهور العناقيد، بينما يتم تسميدها إما عن طريق الرش أو عن طريق الري بالماء المخلوط بالسماد أو المبيد.

أبو الوليد الذي يعيش مع زوجته في بيت صغير مبني عند مدخل البيارة، لا يقض مضجعه إلا لصوص الكرم فيقول :"لو طرق علينا الباب وطلب ما يريد من العنب لما قصرنا في حقه، لكن من يقفز عن أسوار البيارة ليسرق بعض الفاكهة، فهذا نعامله كمعتدٍ، ولا نرأف به".

عند غرفةٍ قريبة من بئر ماء يتوسط البيارة، تمتد دالية كبيرة، صممت لتظل مجلساً مرتفعاً قليلاً عن سطح الغراس، فتتيح للجالس تحتها رؤية سطور الغراس كلها، بينما تهب نسمات الهواء الباردة رغم الحر الشديد لتعيد النشاط إلى العمال المنهكين خلال آخر لحظات العمل عندما يتجمعون لمصافحة بعضهم البعض.

يعلق أبو الوليد :"أي والله القعدة هان لحالها بترد الروح".

لا يأكل العنب

ولا يتخيل الرجل أبداً ترك البيارة كونه قضى فيها وقتاً طويلاً، وتمكن بمساعدة ما تدره عليه من خير لقاء عمله فيها تحصيل لقمته ولقمة عياله.

يضحك ويزيد :"هل تصدقون أن داري لا يوجد فيها قطف عنب واحد؟"، مردفاً :"طوال نهاري بين القطوف، فالعين شبعت، ولا أستطيع أن أتخيل رغم عشقي لطعم العنب أن أتناول حبة واحدةً منه آخر النهار".

العنب فاكهة حساسة جداً، تتطلب حسب أبو الوليد تعاملاً خاصاً من قبل المزارعين أثناء تقنيبها أو توريقها أو قطافها ورصها في الصناديق الجاهزة للبيع، "بل إن أهم صفة يجب أن تتوفر عند مزارع العنب هي "الصبر" يردد.

ويعد العنب فاكهة الصيف الأكثر طلباً خلال الأشهر الثلاثة تموز وأغسطس وأيلول، ذلك لاحتوائه على العصير اللازم لتعويض الجسم عن السوائل التي يفقدها بسبب التعرق وسط الحر، بالإضافة إلى احتوائه على العديد من العناصر الغذائية كالبوتاسيوم والفيتامينات مثل: A, B, C.

مواضيع متعلقة: