إقرأ المزيد


​نائل البرغوثي ينتصر على سجانه: "لن نكون ورقة ضغط على أحد"

وليد الهودلي
أربعاء ٠٧ ٠٣ / ٢٠١٨

في ظل الحالة المأرومة التي وصلنا إليها فلسطينيا وعربيا حيث بتنا في ظلمة يعز فيها ولو بصيص نور، إلا أنه تظهر في الأفق مواقف تشق طريقها وتعلن ضياءها الذي يبدد كل الظلمات، وردت هذه العبارة (لن نكون ورقة ضغط على أحد) في آخر رسالة أرسلها الأسير نائل البرغوثي (37 سنة سجن) إلى زوجته الأسيرة المحررة (إيمان نافع)، ومن المعروف أن نائل من الأسرى المفرج عنهم في صفقة وفاء الأحرار الذين أعيد اعتقالهم منذ قرابة أربع سنوات على ذمة الضغط على المقاومة من أجل اطلاق سراح من لديها من جنود للاحتلال الصهيوني.

نحن نتحدث عن رجل أنهى أربعا وثلاثين سنة في سجون الاحتلال وبعد أن تذوق طعم الحرية قليلا وأعاد ترتيب مشهد الحياة من جديد، بعد أن صار يقطع المسافة بين رام الله وكوبر بدل المسافة بين البرش وساحة الفورة، يرى مساحة حرية جديدة في حياته أوسع من تلك، يقطف زيتونة كانت صغيرة فشاخت فترة غيابه في السجن، يحرث الارض بدل حرث الفورة الذي أكل من أقدامه ما أكل، يتنسم عبير هواء عليل يأتيه من الغرب مباشرة دون أن يقطع أوصاله حديد النوافذ الملاصقة لسقف الزنزانة، صار له بيت وزوجة وحياة جميلة تتجلى له بأبهى صورها، صار له أفق ينظر فيه أوسع بكثير من أفق السجن.

عادت له عجلة الحياة بطبيعتها الصاخبة بعيدا عن رتابة حياة السجن الضيقة الضاغطة على صدره. وهو في ذروة نشوة هذه الحياة انقضوا عليه في ليلة سوداء وأعادوه الى حيث كان في زنزانة مكث فيها أربعا وثلاثين سنة. كيف تحمل صدر نائل هذه الجريمة؟ كيف استوعب عقله وكيف تحملت عيناه أن تستقبل مفردات السجن من جديد؟ كيف رأت الزنزانة بحمامها ذي الروائح النكدة والمتربع في صدرها يضخ أبشع أقذاره.. كيف رأت سماء السجن الذي يلوح مقطعا الى مربعات صغيرة شوهها حديدهم الشائك؟ وكل ذلك يهون على رؤية وجوههم النكدة وسماع اصواتهم المستفزة خاصة عندما ينعقون: عدد عدد.

لم يكن الامر سهلا على شخصية حرة نذرت نفسها لحرية شعبها وحريتها أن تعود الى هذا القيد الاسود، كان الامر شاقا قاسيا مرعبا لولا أننا نتحدث عن نفسية جبلت لما هو أشد وأقسى، تعتمر هذه الشخصية روح ثائرة تخطو على الارض ولكنها معلقة في السماء، بناء معنوي متين تمركز في قلبه، تخلى عن همه الخاص وراح يحمل الهم العام بكل جدارة، لم يعش لقضية وانما كان القضية، كان فلسطين والقدس ومقاومة هذا المحتل الغاصب فلا غرابة أن تخرج من قلبه هذه العبارة : "لن نكون ورقة ضغط على أحد "، لم يفكر في نفسه ولا ما تبقى من عمره وما مضى في السجون منه وانما هي الروح الثائرة في وجه الظلم، هم قرروا اعادته الى السجن وهو قرر أن يلقي بهم بهذه الروح العالية الى مزابل التاريخ، بانسانيته العالية وروحه الجميلة أظهر كم هذه الجبلة قبيحة كريهة ، هو يتألق بروح وريحان جنان عالية ويقيم الحجة عليهم حيث يظهر قبحهم وما الت اليه أمورهم في الدركات السفلى لصناع الجريمة وقاع بشرية سوداء بأبشع صورها عندما تنحدر بها جرائمها الى هذه المنحدرات السحيقة.

أنت يا نائل بكلماتك هذه تنتصر عليهم، تظهر حقيقتهم، تعلو حيث يسفلون وتنير شموسا حيث ينطفئون ويغرقون في ظلامهم، الدول والامم والشعوب تستقر بعدلها وأخلاقها، هم سائرون الى مصيرهم والى حيث فشلوا بأن يكون لهم عدل انسانية أو أخلاق بشر أو صناعة تاريخ .. أنت يا نائل ومن معك من أحرار رغم سجونكم القاسية الا أنكم باذن الله منتصرون.