ناصر الباطل.. يسخط الله عليه ويحرم رحمته

غزة/ هدى الدلو:

في حديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا لِيُدْحِضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الله وَذِمَّةُ رَسُولِهِ"، هذه إحدى وصايا معلم الإنسانية لأمته لينقذهم من عذاب الله، ليحذر من عمل خطير، ألا وهو نصرة الباطل وإعانة الظالم على ظلمه، فما عقوبة القائم بذلك؟

فقال الداعية الدكتور محمد العامودي تخصص الحديث الشريف وعلومه: "بدأ الرسول حديثه بأسلوب تحذيري، يحذر فيه الإنسان المسلم أن يكون عونًا للظالم على ظلمه، والذي يقبل هذا العمل دون إكراه أو ضرورة، فيقول له: إياك هذا العمل، فإن فعلته فإن الله (تعالى) ينفض يده منك، ويوكلك إلى نفسك، ولا يمنحك الرحمة، ويسخط عليك، ومن باء بسخط الله (تعالى) فقد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين".

ولخطورة مساعدة الظالم على ظلمه –والحديث للعامودي- حذر القرآن الكريم المسلمين منها، فقال (تعالى): "وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا"، وقد فسر الإمام القرطبي (رحمه الله) هذه الآية: "دلت هذه الآية على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضي بفعلهم، والرضا بالكفر كفر وبالمنكر منكر، لذلك قال الله (تعالى): "إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ"، فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء".

وأضاف: "فعلى المسلم أن يحفظ نفسه من عذاب الله بأن ينكر عليهم إذا تحدثوا بمعصية، فإذا لم يستطع فعليه أن يغادر مجلسهم حتى لا يكون من أهل الآية السابقة".

وذكر دليلًا آخر من القرآن يحذر من الركون إلى الظالمين، قوله (عز وجل): "وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ"، أي عدم المجاملة والمداهنة والميل لهم بالمحبة والمودة، لافتًا إلى أن الآفة التي أصابت المجتمعات الركون إلى الظالمين، ما يشجعهم على التمادي في الظلم ويزينه لهم، فلا يمنع، فقد أصبحت ظاهرة خطيرة ومنتشرة في بعض المجتمعات.

ونبه د. العامودي الأشخاص الذين يجلسون في هذه المجالس التي يكثر فيها السب والشتم والطعن في أعراض المسلمين إلى تحذير الرسول (عليه الصلاة والسلام) لهم في قوله: "مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرًَا مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرًَا مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ".

ولفت إلى أنه على رب الأسرة ألا يكون عونًا للظلم، أو أن يسكت عنه ويكون عونًا للظالم، كأن يسكت عن ظلم زوجته لزوجة ابنه، أو ظلم الابن الكبير للابن الصغير، وعليه أن يتحلى بأخلاق الإسلام.

وبين د. العامودي أن بعضًا يدافع عن زميله مع علمه بأنه ظالم، ويسلب الحق من زميله الآخر مع علمه بأنه مظلوم، مستندًا في ذلك إلى حديث الرسول (عليه الصلاة والسلام): "انْصُرْ أخَاكَ ظَالمًا أَوْ مَظْلُومًا"، متجاهلًا باقي الحديث (فَقَالَ رجل: "يَا رَسُول اللهِ، أنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أرَأيْتَ إنْ كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أنْصُرُهُ؟"، قَالَ: "تحْجُزُهُ - أَوْ تمْنَعُهُ - مِنَ الظُلْمِ؛ فَإِنَّ ذلِكَ نَصرُهُ").

وتابع حديثه: "لا ينبغي للمسلم أن يسكت عن الظالم وبإمكانه تغيير ظلمه؛ فعن أبي بكر (رضي الله عنه) سمع رسول الله (عليه الصلاة والسلام) يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه؛ أوشك أن يعمهم الله بعقابه"، وقال أيضًا: (من نصر باطلًا وهو يعلمه فلا يزال في سخط الله حتى يدع ما قال)".

وحذر د. العامودي المسلمين من الدخول على الظَّلَمة ومخالطتهم ومساعدتهم ومداهنتهم، ما يتسبب بانتشار الظلم والفساد والاضطهاد، وضياع الأمن والاستقرار؛ لئلا يحل بهم العذاب، بل يجب عليهم أن يبغضوهم ويعادوهم لله (عز وجل)، قال (تعالى): "وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ".