إقرأ المزيد


عن أوضاع أبناء قطاع غزة هنا من جديد

ياسر الزعاترة
ثلاثاء ٠٦ ١٢ / ٢٠١٦

من يتابع كاتب هذه السطور يعلم أنه لم يكن يومًا من دعاة تغيير المعادلة السياسية على نحو يتجاهل ظروف القضية الفلسطينية، أعني تجاهل حقيقة أن قضية اللاجئين ينبغي أن تبقى حاضرة في الصراع مع العدو الصهيوني، ولا تُغيّب بأي حال عبر مسارات ستفعل ذلك، مهما قيل عنها، فضلًا عن كونها مستحيلة التحقق إلا بسطوة الخارج، وهو ما يرفضه الشرفاء، لا شك، مع يقيننا بعجز ذلك الخارج عن فرضها أيضًا.

هذا البعد لا يعفينا في المقابل من الحديث عن آليات التعامل مع أبناء قطاع غزة المقيمين هنا في الأردن، والذين نشعر بمعاناتهم، ولا تلبث شكواهم أن تفرض نفسها علينا، مع الحريق المشتعل في المنطقة، وما يتركه من دمار ومعاناة، والذي لا يترك مجالًا لغير التفكير في القضايا الكبرى.

والحال أنه ليس من العدل بحال مساواة أبناء هذه الفئة الذين ولد أكثرهم هنا في الأردن، ولا يعرفون بلدًا سواه، ويغترب بعضهم ويعودون ليضعوا شقاء أعمارهم فيه؛ ليس من العدل مساواتهم بالوافدين الذين يأتون فقط لأجل العمل، ويحوّلون ما يجنونه إلى ذويهم في ديار أخرى.

في أوروبا يتساوى حامل الإقامة الدائمة والمواطن في كل الامتيازات بلا استثناء، ما عدا جواز السفر والمشاركة في الانتخابات (هذه تأتي لاحقًا بعد 5 سنوات).

نتفهم الهواجس المتعلقة بالبعد السياسي، ولا نطالب بتجاهلها أبدًا، لكن منطق مساواة هذه الفئة التي أشرنا إليها بالوافدين الآخرين ليس صائبًا، فكيف حين يأخذ بعض الوافدين _خاصة اللاجئين الجدد_ حقوقًا أفضل في سياقات مختلفة، من بينها العمل في مهن يُحظر على أبناء قطاع غزة العمل فيها؟!، هذا مع ضرورة القول إننا نؤيد أي تعامل إنساني مع أهلنا اللاجئين السوريين الذين اضطرتهم ظروف الحرب مع الطاغية وحلفائه إلى هجرة بلدهم، في الوقت نفسه الذي ندين فيه أية إساءة لهم، أو لأي لاجئ، كما يحدث في لبنان _على سبيل المثال_ حيث تطل العنصرية برأسها على نحو يستحق الإدانة.

إننا نتحدث عن فئة تشكل جزءًا من النسيج الاجتماعي، وجزءًا من منظومة العمل والتنمية، وكانت لها أدوارها المعتبرة على كل صعيد. وإذا كان البعد السياسي للقضية مفهومًا نظرًا إلى التعقيدات المتعلقة بالقضية الفلسطينية؛ فإن القضايا الأخرى المتعلقة بالحقوق المدنية ليست كذلك، وهي تستحق نظرة أخرى، لا يفرضها البعدان القومي والإنساني فقط، بل يدعمها البعد المصلحي أيضًا، كون هذه الفئة بمجموعها جزءًا لا يتجزأ من منظومة العمل والتنمية، وليست عبئًا كما يصوّرها بعض.

الله أعلم كم من الزمن يفصلنا عن حل القضية الفلسطينية وإزالة الاحتلال، ولو زال لكان الوضع مختلفًا تمامًا بعد اكتشافات الغاز في المتوسط التي تضع فلسطين في مصاف الدول الغنية بالمنطقة، فضلًا عن عوائد السياحة الضخمة، لكننا نتحدث عن شأن إنساني له صلة بهذا الوضع الراهن، ومن الضروري التعامل بروحية الموقف الأخوي والقومي والإنساني قبل أي شيء.

ولا شك أن الشرائح الفقيرة من هذه الفئة تستحق نظرة أفضل في مجالات الصحة والتعليم، وسواها من المجالات التي تمسُّ حياة أبنائها بشكل مباشر، مع ضرورة السماح لهم جميعًا بالعمل في جميع المهن دون استثناء، حتى المهن الطبية والهندسية.

نعود إلى تأكيد أننا في الجانب السياسي مع الإصرار على حق العودة، ومع عدم تجاهل أننا إزاء وضع مؤقت في المعادلات السياسية، وكل ذلك في سياق من الحيلولة دون فرض العدو لمخططاته علينا، لكن الجانب المدني والإنساني شيء آخر.

مواضيع متعلقة: