​ميناء غزة.. وجهةُ المهمومين

تصوير محمود أبو حصيرة
غزة - نسمة حمتو

تجلس الثلاثينية "رواء أبو عبيد" على مقعد خشبي في ميناء غزة، وهي تمسك بشدة بيد طفلها المُصاب بالتوحد، بعد أن حاول مرارًا الحصول على "بالون" من أحد الباعة ولكن والدته رفضت، فهي لا تمتلك المال الكافي لشرائه، ما يزيد على ساعة من الزمن قضتها مع طفلها وهي تركز نظرها على المراكب المصطفة بجانب بعضها، وهي شاردة وفي ذهنها ألف حكاية وجع لا تدري لمن تبوح بها.

كيف أعالجه؟

أبو عبيد، التي قصدت ميناء غزة لتخفيف التوتر الذي أصابها بسبب عدم قدرتها على علاج صغيرها، قالت: "أخبرني الطبيب أن حالت ابني تتدهور يومًا بعد يوم، لعدم وجود متابعة، وأنا لا أستطيع دفع 100 شيكل أسبوعيًا لعلاجه".

وأضافت لـ"فلسطين": "زوجي عاطل عن العمل، بالكاد أستطيع إطعام أبنائي الصغار، حالتنا سيئة للغاية، جئت هنا كي أنظر إلى البحر وحدي مع ابني المريض، أشكو همي له ومن ثم أعود إلى منزلي كأن شيئًا لم يكن".

كانت أوضاع "أبو عبيد" مستقرة نوعًا ما عندما كان يعمل زوجها خياطًا في الداخل المحتل، فَقَد عمله، وما يزال، منذ أكثر من عشرة أعوام، يبحث عن آخر يستطيع من خلاله تأمين مستقبل أبنائه، ولكنه لا يجد.

خريجون بلا عمل

"أبو عبيد" ليست الوحيدة التي قصدت ميناء غزة للترويح عن نفسها، ففي المقعد المجاور كان يجلس الشاب "أحمد زُهرة" (30 عامًا)، تخرّج من كلية التجارة، ولم يترك مكانًا إلا وبحث فيه عن عمل يساعده على تأثيث بيت يستطيع الزواج فيه.

"زُهرة" والذي بدت عليه ملامح الضجر وسوء الحال قال لـ"فلسطين": "وصلت الثلاثين، وحتى اليوم لا أحصل على شيكل واحد، بحثت في الكثير من المهن التي لا علاقة لها بشهادتي الجامعية، العمر يمضي ولا أعرف متى سأتمكن من تكوين نفسي، المهور مرتفعة ولا يوجد لي بيت خاص أستطيع الزواج فيه".

ويضطر "زهرة" للمشي مسافة تزيد على 2 كيلو متر من منزله إلى ميناء غزة كي يخفف عن نفسه قليلًا بعد جهد كبير يبذله في البحث عن عمل ولكن دون جدوى.

وأوضح: "لي أربعة إخوة جميعهم عاطلون عن العمل، هنا في غزة الكل يعاني، والمشكلة الأكبر عدم وجود جهات تساعد الشباب وتدعنهم ليبنوا مستقبلهم".

ويعاني الشباب في غزة من انتشار البطالة وعدم وجود فرص عمل مناسبة أو جهات تساعدهم في تأسيس مشاريع صغيرة يستطيعون من خلالها صعود أولى درجات سلم حياتهم.

مأساة الأطفال

أما الطفل "عبد الله صُبح" (12 عامًا) فقد ترك مدرسته ليساعد والده في صنع الشاي والقهوة في ميناء غزة، وعلى الرغم من قضائه ما يزيد على 12 ساعة يوميًا في البيع، إلا أنه لا يحصل على أجر خاص به، فالهدف من عمله هو المساعدة في توفير لقمة العيش لإخوته كونه أكبرهم.

"صُبح"، الذي كان يرتدي حذاءً باليًا، قال لـ"فلسطين": "رغم أن والدتي توسلت لوالدي عدة مرات كي لا أترك العمل، لكنه رفض بحجة أنني لست موفقًا في دراستي وأنني أحصل على علامات متدنية".

وأضاف: "كنت أتمنى أن أكمل دراستي وأحصل على شهادة علمية، ولكنني اليوم أرى الكثير من الشباب الخريجين يجلسون هنا دون أي عمل".

وأضاف: "والدي يعمل على عربة بيع الشاي طيلة اليوم ولا يحصل سوى على 20 شيكلا فقط في اليوم".

حال الطفل "صبح" يعاني منه الكثير من الأطفال في غزة فهم ينتشرون على مفترقات الطرق وفي الشوارع لبيع الحلوى والشاي والقهوة وعلب المناديل الورقية كي يساعدوا عائلاتهم في توفير لقمة العيش رغم أن الكثير منهم يأتون للعمل بعد دوامهم الدراسي.

أحلام في الهواء

بعد محاولات عديدة فاشلة لتوفير ثمن عبوة الحفاضات لطفله، لجأ "إبراهيم عبد الله" (35 عامًا) لميناء بغزة، لعله فيها يريح فكره قليلا، ويهتدي لحلٍ يحصل به على الحفاضات، بعد أن رفض البائع في البقالة التي اعتاد الاستدانة منها إعطاءه إياها لتراكم الديون عليه.

وعن معاناته، قال: "كل يوم تزداد الأمور صعوبة، مللنا الانتظار، مرّت سنوات طويلة ونحن بهذا الحال، يعدنا السياسيون بحلول جديدة ولكن للأسف لا يوجد شيء على أرض الواقع، لا أعرف من أين أوفر المال الكافي، وأي جهة أسد ديونها أولا، هل أوفّر الحفاضات أم الطعام والشراب أم أدفع رسوم الروضة ومصروف المدارس، من أين كل هذا ونحن لا نحصل سوى على فتات فقط لا يكفي لشيء؟!".

وأضاف: "وضع الموظفين يزداد سوءًا يومًا بعد الآخر، لا توجد وعود صادقة، كنا نأمل الحصول على مستحقاتنا ولكن للأسف لم يُطبق أي اتفاق، وما نفكّر به مجرد أحلام في الهواء فقط".