إقرأ المزيد


مطلقاتٌ يشتكين: أبناؤنا "يُعذَّبون" والقانون لا يعيدهم إلينا

غزة - مريم الشوبكي

بعد الطلاق، يحدث أن يتجرد بعض الآباء من الإنسانية، فيمارس الأب صنوفا مختلفة من التعذيب بحق ابنه، هذا الأمر وإن لم يكن شائعا، فهو موجود بلا شك، ما يجعل الكثير من الأمهات المطلقات يشتكين من قانون الحضانة، ويتهمنه بالقصور لعدم وجود نص قانوني يحمي الطفل من تعنيف أبيه، فحضانة الابن الذكر تنتقل للأب إذا بلغ سبع سنين، فيما تنتقل حضانة الأنثى ببلوغها تسع سنوات..

متهمون بخطفه

"يزن" أبصر النور وهو لا يدرك المأساة التي سيعيشها في حياته، لم يتعرف عليه والده في البداية، ثم فجأة تذكره وطالب بحضانته بعد أن هربت والدته من جحيمه وتنازلت عن حقوقها مقابل أن تنعم بالطلاق.

روت جدة "يزن"، والاسم مُستعار لخصوصية الحالة، رحلة عذاب ابنتها وطفلها مع أبيه الذي يمارس عليه كل أنواع التعذيب والحرمان، قائلة: "عندما تزوجت ابنتي كنا نعيش خارج فلسطين، فأوكلنا مهمة السؤال عن الخاطب لأقاربنا في غزة، ولكنه منذ تزوجته لم ترَ يوميا جميلا لسوء طباعه".

وأضافت لـ"فلسطين": "أنجبت ابنتي، وبسبب العذاب الذي أذاقها إياه زوجها، هربت إلينا، وربّت ابنها بنفسها، وبعدما بلغ الرابعة من عمره، طالب به أبوه".

وبعد مشاكل كثيرة، عادت والدة "يزن"، مع عائلتها، إلى غزة، وتنازلت عنه لأبيه، مع اتفاق بأن يزورها أسبوعيا، وكان ذلك بعد أن بلغ الطفل سن السادسة، ولكن الأمور تعقدت أكثر بسبب ضرب الوالد لطفله ضربا مبرحا، ما جعله يهرب إلى بيت جده لأمه.

وأوضحت الجدة: "عندما كان يهرب حفيدي إلينا، كان والده يتوجه إلى مدرسته ليأخذه عنوة، فكان الطفل يتسلل من فصل إلى فصل، لعلمه أن مصيره الضرب والتجويع".

وبيّنت: "مؤخرا، هرب يزن إلينا بعد أن أوسعه أبوه ضربا بخرطوم المياه في دورة المياه، بالإضافة إلى ضربه على وجهه حتى أُصيب بخرق في طبلة أذنه، حتى أصبح الطفل يدعو على والده بأن تُقطع يداه ورجلاه".

بحسب الجدة، فوالد حفيدها لا يشتري له الملابس، بل يعطيه الملابس القديمة العائدة إخوته الصغار، ويمنع عنه الطعام، حتى أنه ذات مرة وجد قطعتي خبز على درج البيت قد رماهما أبناء عمه، حينها أكل قطعة، واحتفظ بالأخرى ليأكلها في المدرسة.

وتشير إلى أن الطفل (10 سنوات) يعاني من التبول اللاإرادي، والخوف الشديد من الخروج من البيت، وتراجع كبير في مستواه الدراسي.

اتهم والد "يزن" عائلة والدته باختطاف الطفل، وأرسلت الشرطة إخطارا للعائلة بضرورة إعادته لأبيه.

"القانون مش معنا"، هذا ما قالته الجدة، مناشدة الجدة الجهات المختصة بتعديل قانون الحضانة من أجل الحفاظ على حياة حفيدها والأطفال المعنّفين غيره.

وتساءلت: "أين القانون من حالة حفيدي؟ هل أنتظر أن يصل إلى جثة هامدة بسبب وحشية أبيه؟، لماذا لا يتم التعامل معه كحالة إنسانية؟"، موضحة: "الآن نتواصل مع المحامين والقضاء لإيجاد مخرج لإنقاذ يزن من العذاب".

هربتا إلى الخارج

وحالة "هيا"، واسمها مستعار أيضا، لا تختلف عن يزن في الظروف النفسية الصعبة التي كانت تعيشها بسبب تعذيب والدها لها انتقاما من والدتها، حس قولها.

روت حكايتها لـ"فلسطين" إحدى قريباتها، والتي فضلت عدم ذكر اسمها: "انفصل والدا هيا عندما كانت والدتها حاملا فيعا، ربّتها دون أن يراها والدها أو يسأل عنها، ولم تتزوج والدها حفاظا على ابنتها".

وأضافت: "انتقلت هيا بعد بلوغها التاسعة للعيش في كنف أبيها وعائلته، ومنذ اليوم الأول لوجودها معه لم يعاملها على أنها ابنته، بل كعدو ينتقم منه بالضرب والتعذيب".

وأضافت: "ومن شدة الضرب والتعذيب حاولت هيا الانتحار، ورمت نفسها من الطابق الثاني، ولكن رعاية الله أنقذتها، وهذا الفعل لم يشفع لها لدى والدها بل استمر في مسلسل تعذيبه لها، حتى هربت لوالدتها متوسلة إليها بحمايتها منه وعدم إرجاعها إليه".

وأوضحت: "لأن القانون لا يسمح للأم بالتدخل لحماية ابنتها، اضطرت والدة هيا لمخالفة القانون، والهرب مع ابنتها إلى خارج فلسطين".

أحوال عدة

وفي ذات السياق، قال رئيس محكمة الاستئناف الشرعية عمر نوفل إن هناك أحقيّة للأم بحضانة طفلها أو طفلتها تختلف حسب حالتها، فقد تكون الزوجية قائمة بين الزوجين لكن كل منهما في مكان مختلف لخلاف بينهما، أو تكون الزوجة مطلقة وبعيدة عن بيت الزوجية، والحالة الثالثة الزوجة المتوفى عنها زوجها، والحالة الرابعة الزوجة المتوفى زوجها أو المطلقة ولكنها متزوجة من غير الزوج الأول.

وأضاف لـ"فلسطين" أن قانون الأحوال الشخصية حدد سن الحضانة في الحالتين الأولى والثانية، وفق المادة 391، حيث "تنتهي مدة الحضانة باستغناء الغلام عن خدمة النساء، وذلك إذا بلغ سبع سنين، وتنتهي حضانة الصبية ببلوغها تسع سنوات".

وأوضح أن قانون حقوق العائلة من المادة 118، أعطى مساحة للقاضي بتمديد سن الحضانة لسنتين، إذا تبين أن مصلحة الابن أو الابنة تقتضي ذلك.

وبين أنه في الحالة الثالثة، إذا كانت الزوجة مطلقة أو أرملة ولكنها تزوجت، فإن حضانة الأطفال تنتقل لمن يليها من النساء، أي الجدة أم الأم، وإن لم تكن موجودة، فإلى الجدة أم الأب، وتليها للخالة، أما الحالة الرابعة، الأرملة المتوفى عنها زوجها التي حبست نفسها لتربية أولادها، فتستمر حضانتها دون تحديد سن، وفي هذه الحالة، فإن الولد يُخير بعد سن الـ15 إذا رغب بتغيير حضانته، أما البنت فلا تخير، بل تستمر حضانتها مع أمها لحين زواجها.

أما الحضانة للسيدة المتوفى عنها زوجها، فقال عنها نوفل: "تم استحداث القانون من المجلس التشريعي الحالي، وعليه طالب كان الأب بحضانة ابنه أو ابنته وثبت للمحكمة أنه غير آهل للحضانة، أي غير مستقيم كأن يكون متعاطيا أو عليه قضايا أخلاقية، يتم رد الدعوة".

حق المحضون

وأرجع نوفل سبب سن هذا القانون إلى وجود ناحتين مهمتين في قضية الحضانة، وهما حق المحضون، وسحق الحاضن، لافتا إلى أنه إذا تبين أن حق المحضون أولى يُقدم حقه، لذا يتم رد دعوة الأب إذا ثبت للمحكمة أنه غير مستقيم.

ولفت إلى أنه إذا تبين أن الطفل مريض ويحتاج إلى رعاية، تُرد الدعوة ويبقى الولد في حضانة النساء، لأن الحق المحضون مقدم.

وعن تعرض الطفل للعنف من قبل والده ودور القانون في حمايته، قال نوفل: "عندما يكون الطفل في حضانة أمه، ووالده يعذبه في وقت المشاهدة أو الاستضافة، فإن دعواه لطلب الحضانة تُرد إذا أثبتت الأم أنه لا يصلح، وأحيانا قد يحكم القاضي بعدم المشاهدة للأب".

ونبه إلى أن الأب في حال أخذ الحكم بالضم وقام بتعنيف طفله، لا يحق للام أن ترفع دعوى للمحكمة، بل وفق القانون من يحق له التدخل هو من يلي الأب في الدرجة، أي الجد أب الأب أو العم، يرفعوا الأمر للقاضي ويحكم القاضي بنزعه من الأب تسليمه للجد أو للعم.

ولفت نوفل إلى أن الأم بعد ضم الابن لحضانة أبيه الأم لها حق الاستضافة كل أسبوعين لمدة 24 ساعة، والمشاهدة كل أسبوع ثلاث ساعات.

وقال نوفل : "القانون جيد، ولكنه يأخذ بمذهب الحنفية فقط، وهناك مذاهب أخرى أيسر وتتلاءم مع طبيعة المجتمع أكثر، وهذا القانون بحاجة إلى تحديث بما يتناسب مع مستجدات العصر".

وعند سؤاله عن المطالبة برفع سن الحضانة من قبل الأمهات، أجاب: "هنا بين أمرين، هما حق الأم، حرمان الأب من حياة أبنائه، المشاركة جيدة، وهذا معروف بقانون الاستضافة، لكي لا يكون الطفل في عزلة عن الأم والأب".

لا حل قانوني

وبدورها، قالت المحامية في مركز حماية لحقوق الإنسان هدى حليوة: "ليس هناك نص قانون يحمي الطفل من تعذيب والده، لا سيما بعد انتقاله لحضانة أبيه، فحينها لا يحق للأم التدخل، وهذا أدى إلى حالات انتحار من قبل بعض الأطفال هربا من الضرب والتعنيف".

وأضافت لـ"فلسطين": "بسبب ظهور هذه الحالات، هناك مطالبات كثيرة برفع سن الحضانة للأم، لأن الطفل يكون في هذا السن بحاجة لوالدته أكثر من والدة، أسوة بالنص القانوني للمرأة المتوفى عنها زوجها".

وبينت أن توثيق حالات التعذيب من قبل الأهالي بحق اعتداء الأب على طفلهم قليلة، لأن الأهل لا يتوجهون للشرطة لإثبات حالة التعذيب، على اعتبار أنها أمر خاص.

ولفتت حليوة إلى أن تنازل الأب عن حضانة طفله لوالدته يتم بالتراضي بين الطرفين، أما من الناحية القانونية فليس هناك حل قانوني.

مواضيع متعلقة: