​مسيرة العودة استكمال لمسار الحرية

محمود مرداوي
الأحد ٠٨ ٠٩ / ٢٠١٩
محمود مرداوي

مسيرة العودة استكمال لمسار الحرية

محمود مرداوي

هبات الفلسطينيين وانتفاضاتهم بدأت بإرادة شعبية رافضة للاحتلال وصلفه، وإمعانه بالقتل والاستيطان والتهجير والتهويد، واستكباره بإنكار الوجود الفلسطيني فعليًّا .

كان الضمير الشعبي الفعال والاستعداد النفسي والمعنوي لتحمل عبء التضحيات تأكيد لتشبث الشعب بأرضه وهويته وماضيه وحاضره ومستقبله على أرض فلسطين، وتقاطع مع هذا الضمير وهذه الإرادة وهذا الاستعداد الشعبي الذي لا ينفد دون الحرية والاستقلال قيادات أفرزها الواقع عبرت عن هذا الضمير بتبني هذه الانتفاضات والهبات المتتالية، تبدأ كالمارد موجعة لهذا العدو مؤثرة على الإقليم والمشهد الدولي، تلفت الانتباه وتجلب التعاطف، وتعيد القضية إلى محورها وأصلها.

شعب محتل أرضه سُرقت منه بقوة السلاح وقبول دولي مخطوف عالج مشاكل لدول غربية على حساب مظلومية شعب لا يزال يقاوم ينشد تصحيح الأخطاء الذاتية بإخفاق العرب والمسلمين في الدفاع عن فلسطين وحمايتها، والموضوعية بتكالب المجتمع الدولي، ومنح هذه العصابة حق الوجود على حسابه .

هذه الانتفاضات تضع الأمور في نصابها، لا يستطيع المجتمع الدولي أن يصحح هذا الخطأ القيمي بحق الفلسطينيين المصلحي بحق الدول والعصابة المغتصبة؛ فيباشر التسويف والمعالجة من اللحظة الراهنة التي أحدث فيها العدو تغييرًا في الجيوبولوتيكا، ويسوغ عمليات قمعه وضغطه بكل الوسائل المختلفة.

لقد حُددت في كل الانتفاضات قبل الساعة الثانية عشرة ليلًا عدد الشهداء، مرفقًا مع توجيهات تكسير العظام وهدم البيوت والاعتقالات بالآلاف.

حصل ذلك في انتفاضة الحجارة وهبة النفق وانتفاضة الأقصى، والتصعيدات التي حصلت على حدود غزة لاحقًا، وفي الحروب الثلاثة المتتالية تعمد العدو القتل والهدم بالجملة .

ولم تكن مسيرات العودة بمعزل عما جرى في كل المحطات والانتفاضات والهبات، الجديد أن الصوت الذي يريد أن يحاسب الفلسطينيين مثل باقي الشعوب وكأنه شعب لا يخضع للاحتلال، والاحتلال ليس مجرمًا ويحتاج لمسوغات لتنفيذ إجرامه، أصحاب النفس القصير يصرخون في إطار البيت ويبحثون عن بدائل، وهذا قمة الكمال، دون أن يكون التقييم مبتورًا عما مضى منزوعًا من سياقه التاريخي والموضوعي، وسطوة بالصوت العالي القليل على صوت الأغلبية الصامت، فإذا ما حاكمنا مسيرات العودة بالتضحيات وطبيعتها؛ نكون قد نقضنا غزلنا من بعد قوة أنكاثًا في انتفاضة الحجارة، علمًا أن انتفاضة الحجارة كانت أقل مع أنها أشمل جغرافيًّا، لكن إجماعها أقل من مسيرات العودة عبر هيكلية موحدة تقودها وتخطط لها

عملية النقد والبحث والتصويب مداخل صحيحة، وسمات صحية لسلامة الجسم والقدرة على التحسين والتطوير، لكن يجب ألا تكون صدى صوت لجوف الانقسام الذي يطفو على الجلد تنسيقًا أمنيًّا، ورفضًا للمقاومة التزامًا بالاتفاقات، وخوفًا من ردة الفعل الصهيونية.

لا نحصر إرادة الشعب الفلسطيني وقدرته على خدمة المشروع الوطني وفق اهتمامات نخبة فردية، وأجندة جُربت وفشلت فشلًا ذريعًا لم تنتج للفلسطينيين إلا صفرًا على الشمال، المشكلة ليست في غزة وخياراتها المتعددة، ولا في مسيرات العودة، إنما فيمن يقف في وجه الفلسطينيين في الضفة والقدس، ويمنع الـ48 من الالتحام بالشعب وإرادته وهباته وانتفاضاته، استسلامًا لسقف أقر بوجود المعتدي الغاصب الذي لم يقر بحقوق الفلسطينيين .

لا بأس من بحث أي شكل نضالي على قاعدة الاستمرار في مواجهة الاحتلال بكل الأشكال، نبحث عن أساليب وتعبيرات وأدوات، نضاعف ونقلص، نحسن من الخطاب السياسي والإعلامي، نناشد العرب والمسلمين وأحرار العالم، نذهب إلى كل مكان في هذا العالم نُسمع صوتنا، لا نستثني تجربة خزان الثورة الخندق المتقدم غزة من أي حسابات، لكن علينا أن نرفع أصواتنا ونطالب الذين يحفرون الخنادق ويبنون الأسوار المرئية والافتراضية بالتخويف والاعتقال أن يسمحوا للشعب الفلسطيني أن يواجه الاحتلال في الضفة والقدس، فلا يمكن أن نسمع بنية حسنة أصواتًا تطالب بالصمت الذين يُثبتون بالدم والتضحيات أن فلسطين محتلة، في كل يوم يدرؤون عنها شر النسيان، يُلحفونها بأجسادهم على أبواب غزة حتى رفح دفاعًا عنها.

في حين لا نسمع أصواتًا مطالبةً بالسماح للفلسطينيين في الضفة والقدس برفض الاحتلال بأدوات ووسائل مختلفة، وفي مقدمتها خيار الجماهير والشعب، فالضفة -والقدس فيها- ليست أقل من غزة شهامة وعزة، لكنها ممنوعة، يا سادة، طالبوا بحريتها لتلتحم مع غزة تكسر الحصار وتقرب العودة.

--