إقرأ المزيد


مسن فلسطيني: منذ وعد بلفور نعيش نكبات متواصلة

غزة- الأناضول

لا يزال الحاج الفلسطيني العمدة البحيصي (94 عاماً) يتذكّر المرّة الأولى التي حدّثه فيها جدّه عن "وعد بلفور"، حيث كان ذلك تماماً بعد 13 عاماً من تاريخ الحدث؛ والذي يوافق الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1917 .

ويطلق اسم "وعد بلفور"، على الرسالة التي بعثها وزير الخارجية البريطاني، آرثر جيمس بلفور، إلى اللورد اليهودي ليونيل وولتر دي روتشيلد، يشير فيها إلى أن حكومته ستبذل غاية جهدها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

المُسن البحيصي، الذي يقطن حالياً في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أدرك حينما كان في العاشرة من عمره -أي قبل 84 عاماً- الخطوط العريضة للقضية الفلسطينية، حيث ارتبطت مباشرة بذلك الوعد.

وكان جدّه، في تلك الفترة، يجمع أطفال عائلته، ويحدّثهم كيف أعطى البريطانيون اليهودَ وعداً لإقامة وطن قومي لهم، على الأراضي الفلسطينية.

وتعود أصول البحيصي إلى قرية "السوافير الشرقية"، الواقعة شمال قطاع غزة، وهاجر منها مع عائلته عام 1948، إثر الهجمات التي شنتها العصابات الصهيونية.

"العمدة" لم يعرف آنذاك، أن صدور ذلك الوعد، كان بمثابة إعلان بدء المعاناة الفلسطينية المتمثّلة بالقتل، والتشريد، والتهجير.

لكنّه أدرك ذلك، حينما وقعت الأراضي الفلسطينية تحت الانتداب البريطاني لمدة 28 عاماً (الذي جاء بناء على وعد بلفور)، من عام (1920-1948)، حيث سهّل عملية هجرة اليهود إلى أراضيهم.

ولا ينسى العمدة، أصوات إطلاق النيران العشوائية من قبل القوات البريطانية على أراضيهم، في منطقة السوافير الشرقية.

وبدأ يدرك جدّية "وعد بلفور" حينما كانت تصل إلى مسامعه أحاديث تفيد بمساهمة السفن البريطانية في حمل اليهود إلى الأراضي الفلسطينية، وإقامة المستعمرات لهم.

واعتبر "العمدة" ذلك الوعد، جريمة نقلتهم من معاناة إلى معاناة أكبر وأقسى وأكثر لا إنسانية، ومن ثم عدد لا متناهي من أنواع المعاناة.

إذ كانت القوات البريطانية، آنذاك، تستخدم لغة القوة والعنف لإجبار الفلسطينيين على ترك أراضيهم، ومن ثمّ تجهيزها كـ"مستعمرات" لليهود المهاجرين.

ويقول العمدة، لوكالة "الأناضول":" كانت القوات البريطانية في بعض الأحيان تهاجم القرى الفلسطينية من جهة، وتفتح لهم الطريق للمغادرة من الجهة الأخرى، كان واضح أن الهدف هو إجبارنا على الهجرة".

الفلسطينيون، وعلى مدار فترة الانتداب، خرجوا في مظاهرات واستخدموا المقاومة والتمرد والعصيان المدني، للاحتجاج ضد البريطانيين واليهود، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى صدامات عنيفة بينهم.

وخلال السنوات العشرة الأولى من الانتداب، دخل الأراضي الفلسطينية ما يقارب 76 ألف و400 مهاجر يهودي، قادماً من أوروبا الشرقية، بينما تضاعفت أعدادهم عام 1936 إلى 98 ألف يهودي، يقيمون في 203 مستوطنة، على مساحة مليون و200ألف دونم من أراضي فلسطين.

المعاناة الثانية

ويروي "العمدة" أن البريطانيين كانوا يساعدون اليهود في تحقيق أهدافهم، عدا عن تدربيهم ومدّهم بالسلاح الحديث والمتطوّر، لمواجهة الفلسطينيين، وطردهم من أراضيهم.

ويقول إن انسحاب القوات البريطانية من فلسطين تزامن مع الاحتلال اليهودي لها وما رافقها من مجارز ارتكبها "الاحتلال" بحق الفلسطينيين آنذاك، قائلاً إن بريطانيا "سلّمت أراضينا لهم تسليماً".

ويتابع:" عندما شعرت بريطانيا عام 1947، أنها وضعت أساسا للحركة الصهيونية في فلسطين، وأن الأمور باتت لصالحهم، أبلغت الأمم المتحدة أنها ترغب بإنهاء الانتداب، والتأسيس لنكبتنا الأولى".

وفي عام 1948، اضطر "العمدة"، كغيره من بقية الفلسطينيين، ترك منزله وأراضيه في منطقة "السوافير الشرقية" والهجرة نحو منطقة أخرى، هرباً من الجرائم التي كانت ترتكبها "العصابات الصهيونية" بحق الفلسطينيين.

وبحسب تقرير حكومي فلسطيني، غادر نحو 800 ألف فلسطيني إلى ديارهم، في ذلك العام، الذي شهد تأسيس دولة (إسرائيل)، هربا من "مذابح" ارتكبتها عصابات صهيونية، أدت إلى استشهاد نحو 15 ألف فلسطيني.

فيما عايش "العمدة" ظروفاً صعبة للغاية خلال هجرته من منطقة لأخرى هرباً من النيران الإسرائيلية، وسكاكين "عصاباتهم"، حتّى استقر به الحال في مدينة دير البلح وسط القطاع.

ويُطلق مصطلح "النكبة" على عملية تهجير الفلسطينيين، من أراضيهم على يد "عصابات صهيونية مسلحة"، عام 1948.

المعاناة الثالثة

لم تشفع السنوات الـ19، التي عاشها "العمدة" في الغربة والفقر، وحالة التشرّد التي فرّقت بينه وبين أخوته، وإنما امتدت المعاناة، لتطال فصولاً أخرى أكثر وجعاً.

عام 1967، تكررت فصول الهجرة الفلسطينية، حيث احتلت (إسرائيل) ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة.

ووفق إحصائيات فلسطينية، تسببت حرب عام 1967 بتهجير نحو 300 ألف فلسطيني من الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، معظمهم نزحوا إلى الأردن، ومحو قرى بأكملها وفتح باب الاستيطان في القدس والضفة المحتلتين.

وأدت الحرب إلى استشهاد نحو 20 ألف عربي ومقتل 800 إسرائيلي، وتدمير من 70 -80% من العتاد الحربي في الدول العربية مقابل 2- 5% في (إسرائيل)، وفق إحصائيات إسرائيلية.

ويقول العمدة إن تبعات ونتائج تلك الحرب لم تنته بعد، حيث لا تزال (إسرائيل)، وبعد مرور 50 عاماً على تلك الحرب، تحتلّ الضفة الغربية، كما أنها قامت بضم القدس والجولان لحدودها.

وكان تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في مايو/أيّار الماضي، ذكر أن الاحتلال يسيطر في الوقت الراهن على أكثر من 85% من أراضي "فلسطين التاريخية"، والبالغة مساحتها حوالي 27 ألف كيلو متر مربع".

مواضيع متعلقة: