​مسك الختام نظرة إلى المجدل

غزة - مريم الشوبكي

استقام أحمد عودة في وقفته موجهًا نظره نحو مدينته المجدل، وبـ"رمشة عين" باغتته رصاصة تسببت باستشهاده على الفور، فكانت مسك الختام، وهو الذي ذهب أعزل مطالبًا بحقه في العودة إليها مع جموع الفلسطينيين الذين تجمهروا على حدود قطاع غزة مع فلسطين المحتلة سنة 1948م.

الشهيد عودة توقع يوم وكيفية استشهاده، حينما كان يجلس في حضرة 20 صديقًا يتساءلون هل سيعودون كاملي العدد، لتقفز الإجابة من فم أحمد: "ربما لن أعود اليوم، وأستشهد بطلقة هنا" مشيرًا إلى رأسه.

عودة استشهد في 30 آذار (مارس) الماضي في ذكرى يوم الأرض، في أثناء مشاركته في فعاليات مسيرة العودة.

عاشور شقيق أحمد هو آخر من لازمه قبل استشهاده، يروي لصحيفة "فلسطين" التفاصيل الأخيرة في حياة أخيه: "في العادة أحمد لا يستيقظ باكرًا، ومع أنه في 30 مارس الماضي لم ينم إلا بعد صلاة الفجر استيقظ فورًا، دون أن أجد عناء في إيقاظه ككل يوم، ثم خرجت بسرعة ولحق بي".

ويضيف: "تأخرت الحافلة التي ستقلنا حيث مكان تجمع المسيرة، فما كان من أحمد إلا استعجالي في الاتصال بسيارة أجرة لكي تقلنا، فمهّلته، ولكنه رفض، فأذعنت في النهاية لطلبه وبالفعل ذهبنا بالسيارة، كأنه مستعجل لقاء ربه".

يتابع عاشور: "مشينا مسافة طويلة قبل أن نصل إلى مكان تجمع الناس، وفي الطريق شاهد أحمد كل أصدقائه كأنه يودعهم الوداع الأخير، ثم صلينا صلاة الجمعة معًا، وبعد أن انتهينا جلسنا برفقة الأصدقاء على تلة مرتفعة قليلًا نأكل البزر".

ويقول: "كان أصدقاؤه يداعبونه بأنشودة اسمها "أحمد يا حبيبي"، وهو يرد عليهم بابتسامته الهادئة، ثم أراد أن يجول بنظره نحو المجدل، وبمجرد أن أشار عليه أصدقاؤه أن يوجه نظره نحو الشمال رفع رأسه لتأتيه رصاصة قناص احتلالي إسرائيلي استقرت في رأسه".

"بعدها صرخ الشباب: شهيد، شهيد، قفزت من مكاني أنظر، فشاهدت طرف سترته، فأيقنت ساعتها أن الشهيد هو أحمد، مع أنني ممرض عجزت عن إسعافه إذ كانت الدماء تسيل كالنافورة"، ولا يزال الحديث لعاشور.

ويروي عن صديق أحمد الذي رافقه وهو ممدد في سيارة الإسعاف أنه فتح عينيه وابتسم قبل أن تفيض روحه إلى بارئها.

صفات

"أحمد المدلل عندي، وساعدي الأيمن، حينما أطلب مساعدة أجده أول إخوته يلبي، حتى بعد استشهاده حينما أريد شيئًا أنادي عليه، فسرعان ما أتذكر وتبقى الكلمة غصة في حلقي" يقول والده إبراهيم.

ويضيف: "حياة أحمد صغيرة، ولكن مليئة بالأحداث، فقد ترك أثرًا في الصغير قبل الكبير، كلٌّ له موقف معه"، متابعًا: "كان أحمد هادئًا رصينًا متزنًا، ويمشي على الأرض هونًا، يؤثر الناس على عمله الشخصي (ويؤثرون على أنفسهم)".

"النعنع والريحان اللذان جلبتهما لي _يا "ستي"_ كلما شممت رائحتهما تذكرتك، سأشتاق إلى تلويح يدك لي من شباك بيتك كل صباح، سأشتاق إلى كلمة صباح الخير مع ابتسامتك التي تأسر القلب" ذكريات ترويها هذه المرة جدة الشهيد أحمد.

وتقول: "أحمد عروس، التأبين الذي أقيم له أضخم من أي حفلة عرس تقام لعروس، استشهد استشهادًا مشرفًا؛ فهو إنسان صاحب نخوة وشهامة".

تضيف جدته: "لا كلمة ليست في قاموس أحمد، إنه يلبي أي شخص يطلبه: أبيه، وأعمامه، وجدته، حتى أهل الحارة، لم يغضب قط، متزن، بشوش الوجه، الابتسامة لا تفارق وجهه، لم أسمعه يومًا يقهقه، كان هادئًا جدًّا".

وتتابع: "أحمد كان كريمًا جدًّا، في يوم استشهاد دعا أصدقاءه لتناول الطعام، ولكنه ذهب للمشاركة في المسيرة باكرًا واستشهد، لذا سنعد هذا الطعام وسندعو أصدقاءه كأنه بيننا، لن ننسى ما يحب".

أما والدة الشهيد أحمد التي تربت يتيمة (أبوها شهيد) فتعرف قيمة الجهاد وحب الوطن، وربت كل أبنائها على مخافة الله وحب الوطن والجهاد.

"أحمد كان ابنًا استثنائيًّا في حياتي، لم يغضبني يومًا، ولطالما ساعدني في أعمال المنزل، وكان كتومًا جدًّا" تقول والدته ختام عودة لصحيفة "فلسطين".

وتذكر ختام آخر ذكرياتها مع أحمد: "لا أنسى حينما أعددت الفطائر التي يحبها أحمد، وكان يبيت مع أخيه عاشور في بيتنا القديم، فطلبت منهما الحضور للغداء معنا في البيت الجديد، ولكنهما لم يأتيا، فما أذكره أنني بكيت يومها وغضبت منهما".

تضيف: "ذهبت إليهما، فوجدت عاشور الذي ذهب مسرعًا إلى أحمد يخبره بأنني غاضبة منهما، فجاء يركض ويقبلني وجلس بجواري ورفض النهوض حتى أرضى، ثم هممت بتنظيف الأطباق المتراكمة في المطبخ، ولكنه رفض".

أحد المواقف الطريفة التي جمعت الأم بـحبيبها أحمد قبل أربعة أيام من استشهاده ترويه بقولها: "ساعدني بصناعة الكعك مع شقيقته سلوى التي كانت تطلب منه أن يبرم الكعك جيدًا حتى يكون منظره جميلًا، فكان يرد بهدوء معهود: "المهم يطلع زاكي، مش مهم الشكل"، ثم طلبت منه مازحة إشعال الفرن وخبز الكعك".

"في أثناء الخبز شرد أحمد قليلًا؛ فكادت حبات الكعك تحترق، وليتدارك الموقف ويخفي ما فعله قلب حبات الكعك على وجهها الآخر حتى لا تلاحظ والدته، فما كان منها إلا أن قابلت ما فعل بالضحك، ولأن كل ما يفعله أحمد محبب إلى قلب والده ولينجيه من فعلته استعد أن يأكل حبات الكعك التي احترقت من تحت يديه.

تقول الأم: "أحمد بشهادة كل من كان حوله لم يكن يحمل سلاحًا ولم يطلق صاروخًا، بل قنص وهو جالس أعزل ينشد مع أصدقائه أناشيد العودة، كل ذنبه أنه أراد أن يعبر عن حقه في العودة إلى مدينته المحتلة المجدل، وأنا أطالب بالتحقيق في مقتل ابني، ومحاكمة الاحتلال على جرائمه دوليًّا".

هل يأتي القانون الدولي بحق أحمد ورفاقه الشهداء الذين تظاهروا سلميًّا للمطالبة بحقهم في العودة إلى قراهم ومدنهم المحتلة؟!