إقرأ المزيد


​مشاركون في مسيرات العودة: وحدتنا طريق العودة

غزة - حنان مطير

الساعة الخامسة مساءً، النساء والرّجال ينزلون من الباصات إلى منطقة تلة أبو صفية أقصى شرق بيت لاهيا، حيث الحدود مع المحتلّ، ومن كل الشوارع الترابية تتوافد العائلات مشياً على الأقدام كلّ يشارك بطريقته الخاصة في مسيرات العودة الكبرى، حيث تصدح الأناشيد الوطنية وتعلو الأعلام الفلسطينية، وفوق التلّة المقابلة لجيش الاحتلال اصطفّت النساء والصبايا بوجوهٍ متّجهة نحو الشّرق، لم يهبْن قنصاً أو خطرًا! بل البعض منهن التقطت لنفسها الصور وقد رفعت إشارة النّصر.

الشابة أريج السيلاوي وتبلغ 21 عامًا، لاجئة من قرية "برير" تقول شعراً وتحب أن تعبّر عن كل ما يجول بقلبها، فجاءت لتلقي قصيدةً من تأليفها، تتحدث فيها عن العودة والأرض والمرابطين وفق ما ذكرت.

وتقول: "أشعر بسعادة كبيرة، وبأملٍ أكبر وثقة بالله أولاً ثم بالمسئولين الذين أعلنوا عن مسيرات العودة، وبأنه سيكون لها تأثير إيجابي بخصوص عودتنا لبلادنا".

وتضيف: "يُثلج صدري اليوم أننا نسير ويدنا واحدةٌ وتحت رايةٍ واحدةٍ، هدفنا واحدٌ وحلمنا واحدٌ وهو العودة للبلاد المسلوبة".

أما الحاج أبو إياد قاسم (73 عاماً) المهجّر من قرية البطاني الشرقي عام 1948، ويسكن في مخيم جباليا، جاء ليشارك في مسيرات العودة والابتسامة لا تغيب عن وجهِه، يقول لـ"فلسطين": "ما دام الله معنا فنحن قريبون من العودة، ولن يكون الله معنا طالما كنا منقسمين متحزّبين".

ويقول: "تلك المسيرات جعلتني أتنسّم هواء بلادي، فقد ارتبطت فكرة العودة برائحة الأرض الخضراء فبتنا نشمّها".

ويضيف: "إنني أشمّها حقيقة، ولا أبالغ أو أظن الأمر معنوياً فقط ، لذلك أشعر بسعادةٍ غامرة".

راية واحدة

وكان الأخوان مصباح صالح (65 عاماً) وصبحي صالح (62 عاماً) المهجران من قرية "سمسم" قد جاءا كالباقين للمشاركة في مسيرات العودة الكبرى تلبية لنداء الوطن والأرض، فكان أكثر ما دفعهما للمجيء بعد شوقهم لبلادهم وأملهم في العودة، هو أن المسيرات غير حزبية بل تلمّ كل فئات الشعب الفلسطيني وفصائله تحت رايةٍ وكلمةٍ وعلمٍ واحدٍ.

بينما كانت الحاجة آمنة أبو خوصة البالغة 72 عاماً تمسك "كرت المؤن" ثم أمام الناس المتجمهرة تضعه تحت قدمِها، وتقول لـ"فلسطين": "لا مكان لنا في المخيمات، فأنا أسكن في مخيم جبالياً لكنني لن أرتاح إلا بالعودة لبلادي التي هُجّرت منها".

وتضيف: "هذا (القوشان) هو دليل على نكبتنا وحسرتنا، لا بد أن يأتي اليوم الذي نمزّقه، لقد تعبنا، يكفينا تشريد، نريد أن نعود".

أما الشاب إسماعيل الشنباري البالغ 24 عاماً، وتعود أصوله إلى بيت حانون، فجاء ينظر حزيناً إلى الحدود بعد استشهاد قريبه وجاره رمضان شبات في جمعة "الكاوشوك"، يروي: "كنا صديقين وله معزّة كبيرة في قلبي، لكنني فقدته على تلك الحدود اللعينة الزائلة بإذن الله".

استشهاد شبات كان سبباً في زيادة دافع إسماعيل كي يأتي يومياً ويشارك في مسيرات العودة، يقول: "نحن نحب الحياة رغم اعتيادنا على العدوان، لكنّ الموت لا يرهبنا أو يمنعنا من المشاركة، فموتنا شهادة بإذن الله وليس ذلك كثيراً على فلسطيننا المحتلة، لكننا لا نبحث عن الموت ولذلك فإنّ مسيراتنا سلميّة".

واتّخذ الشاب أحمد فياض له خيمةً برفقة زوجِه وأولادِه، وراح يعدّ الإفطار للجميع عبر نار الحطب، فكان ابنُه وديع يروح ويجيء منشداً كلماتٍ أمّه هناء فيّاض التي ألّفتها له كي يتغنّى بها وينشدها في مسيرات العودة أمام المشاركين فيقول بعلو صوتِه: "وطني فلسطين.. أبشر بالنصر.. فأنا طفلٌ حطّم ألعابَه ومزّق أحلامَه وأقسم بتحرير بلادِه.. أمي فلسطين أبشري بالنصر فأطفالكِ رسموا صدورهم على سماء حيفا.. ونقشوا أسماءهم على صخور اللّد.. إلخ".

وكان صوت طائرة الاستطلاع واضحاً في سماء بيت لاهيا ما دفع الطفل وديع ينظر للأعلى بتذمّر ويقول :" يكفيكِ زَنّ، لن نخاف منكِ".

كل الوثائق محفوظة

وتشارك الحاجة أم إبراهيم النيرب المهجّرة من قرية "برير" والبالغة -56 عاماً- في مسيرات العودة برفقة أبنائها الأربعة، وتروي لفلسطين أن العودة حلمٌ لا بد وأن يصبح حقيقة، تتصل بها إحدى قريباتها، فتردّ مبتسمة ثم تخبرها أنها جالسةٌ في بلادِها برير، وتدعوا لها ممازحةً: "الله يعود عليكِ زينا"، ثم تضحك هي وكل من حولها ليبدو جلياً كم هو حلم العودة مغروس في القلوب.

وتذكر النيرب أن جدّها عاش 119 عاماً، ولم يكن يمرّ يوم عليه إلا ويحكي فيه لأحفاده حكاية بلاده وتهجير أهلِها وكيف قتل المحتلّ زوجتيه الاثنتين وقد كانا يملآن الجِرار بالماء من البئر "الجابية".

وتقول: "في السبعينات حين كنا نذهب لأراضينا، التي يسرح ويمرح فيها المحتلّ كان جدّي يمضي اليوم والدمع لا يفارقه".

وتضيف: "ما زالت الهويّات، والقواشين، ومفتاح العودة موجودة حتى اليوم معنا، لقد سلّمها إلينا وتوفي وحلم العودة يطارده".

أما مُعلمة الجغرافيا شيرين حميد (38 عاماً) فتقول إن تلك المسيرات تُعلّم الأطفال الصغار معنى العودة والحريّة وتغرس فيهم الرغبة في العودة واستعادة حقوقنا ببلادنا المهجرة.

فيما المُشارك إبراهيم النيرب يقول لـ"فلسطين": "أنظر وأتحسّر، وأتساءل هل يُعقَل أن نعيش في تلك المخيمات كل تلك السنوات في حين أن كل تلك الأراضي الواسعة لنا؟! هذا يدفعني للقدوم يومياً في تلك المسيرات السلميّة، لكنني بالنهاية أؤمن أن ما أُخِذ بالقوة والسلاح لن يُستردّ إلا بالقوة والسلاح، وتلك المسيرات ليست إلا مقدّمة للعودة وخطوة جيدة".