​مسار المواجهة في الضفة الغربية.. "الخان الأحمر" نموذج

حازم عياد
الأربعاء ٢٤ ١٠ / ٢٠١٨

نتنياهو أثناء استقباله وزير الخزانة الأمريكي ستيفن مينوتشين أعلن أن قرار وقف هدم الخان الأحمر مؤقت، بقوله: "سيتم إخلاء الخان الأحمر هذا قرار محكمة، وآمل بموافقة السكان، ولا نية لدي بإرجاء ذلك حتى إشعار آخر"، موحيا بأن سبب التأجيل يرجع إلى البحث عن حل تفاوضي لإعطاء فرصة للمفاوضات والاخلاء الطوعي للسكان لتنفيذ قرار المحكمة الذي أكده الكابينت والكنيست الإسرائيلي.

تصريحات نتنياهو ومبرراته التي قدمها لمنوتشين تؤكد أن الخان الأحمر لم يعد ملفا محليا يناقش في أروقة الكابينت والكنيست بل ملفا دوليا؛ إذ أعلن عن ذلك أمام وزير الخزانة الامريكي وبعد احتجاج الاتحاد الأوروبي والمستشارة الألمانية ميركل؛ ما يعني أن الخان الأحمر وبفعل نضال الفلسطيني احتل مكانه في الخارطة السياسية الدولية، وفي أجندة المسؤولين الغربيين الذين يلتقون قادة الكيان الاسرائيلي.

صمود الخان الأحمر في مواجهة محاولات هدمه واخلائه تحول إلى حالة وملف لا يختلف من حيث الجوهر عن ملف نقل السفارة الأمريكية، واستهداف الأونروا والاستيطان، ومصادرة الأراضي، غير أنه قدم نموذجا استثنائيا ميدانيا للمواجهة وترجمتها سياسيا وتعبويا.

القائمة تطول الاستيطان والاستيلاء على الأراضي وتردي الأوضاع الاقتصادية وتفاقم المعاناة من السياسات القمعية للاحتلال جعلت من الخان الأحمر عنوانا للصمود ورمزا للمواجهة؛ إذ تجاوز في رمزيته المكان. الخان الأحمر عنوان لنشاط يومي يعيد تعبئة الشارع الفلسطيني بشكل ممنهج وبطيء ولكن مؤكد، ويقدم صورة اعلامية ونضالية تحظى باهتمام دولي تلخص الواقع في الضفة الغربية.

تتعدد الأماكن والأسماء إلا أن التكرار والنمط والاستمرارية هي السمة المميزة للحالة المتطورة في الضفة الغربية، والتي تغذيها حالة نضالية شعبية تزداد قوة لتتحول إلى مصدر أرق وحرج للكيان الإسرائيلي.

فالملفات المتراكمة ومن ضمنها الخان الأحمر أطلقت العنان للفعل المقاوم الذي بات يجد حاضنة قوية في الساحة الفلسطينية؛ فعلى مدى أسبوعين تحول حي شويكة في مدينة طولكرم إلى مركز اهتمام لقوات الاحتلال التي تحاصره تارة وتداهمه تارة وتشن عليه حملة تلو الأخرى على أمل الوصول إلى منفذ عملية بركان أشرف نعالوة؛ فعملية بركان تتشابه مع عملية قرية "صرة" جنوب نابلس التي استهدفت أحد قيادات المستوطنين على يد أحمد جرار، واستمرت ملاحقته فترة ليست بالقصيرة انتهت بمعركة بالقرب من جنين.

الضفة الغربية تتخذ مسارا جديدا منذ أشهر تحولت فيه المواجهات إلى نمط ثابت يتميز بالتوسع والكثافة يوما بعد يوم؛ فليلة الأحد وصباح الاثنين وقعت 3 حوادث؛ الأولى محاولة دهس على أحد الحواجز الأمنية، والثانية القاء زجاجات حارقة أصابت سيارة لأحد المستوطنين واشتباكات ليلية في قلقيلية والخليل، توجت صباحا بأنباء عن عملية طعن لجندي على أحد الحواجز في الخليل، كثافة عملياته في أقل من 12 ساعة تعكس الحالة المتفجرة في الضفة الغربية.

في المقابل فإن الكيان الإسرائيلي يعاني من العجز والقصور والحرج؛ فالمواجهات لم تعد مقتصرة على منطقة بعينها، كما أن الحاضنة الاجتماعية تستعيد قوتها لدرجة أن قوات الاحتلال اعتقلت مؤخرا مدير مخابرات محافظة القدس؛ في مؤشر على تفاقم الاشكالات والصعوبات التي يواجهها الاحتلال في الضفة الغربية.

قادة الاحتلال لم يتوقفوا عن التحذير منذ أشهر من امكانية تدهور الأوضاع في الضفة الغربية، وهي تحذيرات قلقة تترافق مع حراك نشط وفاعل في قطاع غزة، وتراكم كبير في الغضب ناجم عن السياسات المتبعة تجاه القدس واللاجئين (ملف الأونروا) ويهودية الدولة والاحتفاء بين الحين والأخر بما سمي بصفقة القرن وتطبيع غير مسبوق يتجاوز القضية الفلسطينية، كلها عوامل تراكمت لتخط نهجا جديدا في المواجهة والمقاومة يسير جنبا إلى جنب مع الحالة المتطورة في قطاع غزة ومسيراتها.

فالاحتلال ورغم سياساته القمعية واجراءاته الأمنية لم يتمكن من ضبط الموقف المتدهور في الضفة الغربية؛ فإرجاء اخلاء الخان الأحمر لن يمنع من استمرار حالة التعبئة والاستنفار في الضفة الغربية إذ ستتحول يوما بعد يوم إلى ملف يشبه الخان الأحمر يجلب المزيد من الاهتمام الدولي لكافة الإجراءات المتبعة في الضفة الغربية ويدفع الاحتلال للبحث عمن يفاوضهم فالحالة المستجدة كما صنعت الرموز ستصنع أجندة وقيادات.

ختاما.. حالة الاشتباك العضوي في الضفة الغربية تتوسع يوما بعد يوم لتعيد الاهتمام الدولي والعالمي بمعاناة الفلسطينيين، ولتربك الاستراتيجية الصهيونية التي لم تستطع المفاوضات والتوافقات مع القوى الدولية والمحاكم الاسرائيلي من حل اشكالاتها أو اقناع القوى الدولية بقدرتها على معالجة حالة الاحتقان والتدهور الامين والسياسي؛ فالضفة الغربية ترسم مسارًا جديدًا للمقاومة يربك الاحتلال ويدفعه للتفاوض مع عناوين جديدة كساكني الخان الأحمر؛ معادلة ترسم معالم مرحلة جديدة؛ فالضفة الغربية تضع نفسها من جديد على خارطة الفعل السياسي المقاوم حالها كحال قطاع غزة.