​مصالح السلطة "تفرمل" قراراتها بشأن الاتفاقيات مع الاحتلال

صورة أرشيفية
رام الله-غزة/ أحمد المصري:

اتخذ رئيس السلطة محمود عباس، إلى جانب المجلسين المركزي والوطني لمنظمة التحرير، قرارات بوقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي، ضمن اتفاق أوسلو للتسوية، غير أنّ هذه القرارات بقيت مجمدّة، رغم الأصوات المطالبة بتنفيذها.

آخر ما صدر في ملف إصدار قرارات وقف العمل بالاتفاقات مع الاحتلال كان في تموز (يوليو) الماضي، عقب اجتماع في مقر رئاسة السلطة برام الله في الضفة الغربية المحتلة، في إثر تغول الاحتلال على مدينة القدس وهدمه منازل المقدسيين.

وانضم القرار الأخير إلى جانب عدد من القرارات المشابهة، التي اتخذت في الصدد نفسه في أطر منظمة التحرير وحركة فتح دون أي تنفيذ.

ومنذ 2015م اتخذ المجلس المركزي قرارات عدة بوقف التنسيق الأمني، وتعليق اعتراف منظمة التحرير بـ(إسرائيل)، وتأكيد انتهاء المرحلة الانتقالية التي تحددها تلك الاتفاقيات، والانفكاك الاقتصادي، وغير ذلك، لكن بقيت القرارات حبيسة الأدراج.

وترتبط السلطة في رام الله، والكيان الإسرائيلي باتفاقيات ثنائية في مجالات عديدة، تشمل مناحي الأوضاع الأمنية والحياتية والاقتصادية كافة، والتنسيق الأمني أبرز بنود هذه الاتفاقيات.

ويقول أستاذ العلوم السياسية د. عبد الستار قاسم: "إن قرار عباس الأخير وقف العمل بالاتفاقات مع الاحتلال يمثل صيغة مكررة عن قرارات سابقة"، مضيفًا: "لا يجوز الحديث عن وقف الاتفاقات مع الاحتلال دون الحديث عن مصير السلطة".

ويبين قاسم في حديث إلى صحيفة "فلسطين" أن من شأن إلغاء اتفاق أوسلو توقف المنح و"التسهيلات" التي يقدمها الاحتلال لقيادة ورموز السلطة، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن الأخيرة رهنت حياة الآلاف من موظفيها بهذا الاتفاق.

ويشدد على أنَّ السلطة لا تقوى على أي قرار من شأنه الانفكاك من الاتفاقات الموقعة مع الاحتلال، خشية على مصالحها، مضيفًا: "التوقف عن العمل بهذه الاتفاقات يستلزم إعلان موت اتفاق أوسلو رسميًّا، وهو ما لا يمكن أن تقدم السلطة عليه".

وتهكمت أوساط إسرائيلية إعلامية وسياسية على قرار عباس وقف العمل بالاتفاقيات، وقللت من أهميته، مشيرة إلى أن السلطة اتخذت قرارات مشابهة أكثر من مرة على مدار السنوات الماضية، لكن دون أن تُطبق فعليًّا على أرض الواقع، بل على العكس تتواصل لقاءات مسؤولين في السلطة مع نظرائهم الإسرائيليين، ويتعمق التنسيق الأمني بين الطرفين.

وفي 13 أيلول (سبتمبر) 1993م وقعت منظمة التحرير والكيان الإسرائيلي اتفاق أوسلو، في البيت الأبيض، ووقع عباس بصفته آنذاك أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

وشكل هذا الاتفاق غطاء لعدة اتفاقيات بين الطرفين، منها اتفاقيات تتعلق بالمياه والكهرباء والتنسيق الأمني والنواحي الاقتصادية.

"ارتباط عضوي"

ويشار إلى أن المحلل الإسرائيلي الكاتب في صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية أليئور ليفي قال: "إن إعلان عباس وقف جميع الاتفاقيات مع (إسرائيل) لم يكن الإعلان الأول من نوعه".

ويرى الكاتب المحلل السياسي سميح خلف أن ما يقوله عباس من تصريحات وقرارات شيء، وما يجري على الأرض شيء آخر، مضيفًا: "هناك سلطة بمكونات اتفاق أوسلو، وهي مرتبطة ارتباطا عضويًّا وجوديًّا بمصالحها مع الاحتلال".

ويتابع خلف لصحيفة "فلسطين": "السلطة لن تستطيع فك الارتباط مع دولة الاحتلال، أو أن توقف الاتفاقات الموقعة معها، ويمكن الوصول إلى هذه الخلاصة بوضوح من تصريحات عباس السابقة والحالية بأن سلطته لا يمكن أن تدوم دون التنسيق الأمني والتعاون الاقتصادي".

ويشير إلى أنَّ المتتبع مسار قرارات فك الارتباط مع الاحتلال يتابع معها استمرار قنوات الاتصال بين السلطة والاحتلال، حتى الإدارة الأمريكية حليفة الأخير، مكملًا: "لم تخطُ السلطة خطوة دون موافقة أمريكا والاحتلال، وهنا تبرز لعبة البروتوكول والمصالح".

ويرى خلف أنّ السلطة تحوي "طبقة من المستفيدين والمصلحيين والمقاولين على حساب المواطن الفلسطيني والبرنامج الوطني، ولا يمكن أن تنفذ قرارات وقف العمل مع الاحتلال إلا بوجود قيادة ونخبة جديدتين، مع تعبئة شعبية قادرة على المواجهة وتغيير المعادلات القائمة".

ويؤكد المحلل السياسي أن تصريح السلطة وقيادتها في كل مرة بوقفها الاتفاقات مع الاحتلال لا يعدو كونه "وسيلة ورغبة" تريد السلطة الوصول إليها في المسار السياسي، متسائلًا: "هل السلطة قادرة فعليًّا على تحمل قراراتها في حال تنفيذها؟".

ويشار إلى أن عباس سبق أن وصف التنسيق الأمني بأنه "مقدس"، وقال في أيلول (سبتمبر) 2018م: "أتفق مع رئيس (شاباك) نداف أرغمان بنسبة 99% من قضايا هذا التنسيق".

والتنسيق الأمني بين أجهزة أمن السلطة والاحتلال هو أحد بنود اتفاق أوسلو، الذي ينص على تبادل المعلومات بين الطرفين.